سيدة الظل: ج1 .حكايات شروق خالد
بعد ثلاث دقائق من الساعة ثلاثة الفجر، تليفون رن وصحاني من أحلى نومة بحديث حتى عتولة الإجرام مش مستعدين يسمعوه: سكرتيرتي اتقبض عليها عشان ودت أخو أكبر منافس وأخطر عدو ليا المستشفى. إنجي، اللي بقالها أربع سنين بتنظم كل كركبة في حياتي من غير ما تلمس الجانب المظلم من شغلي، اكتشفت قبل ما الليل يخلص إنها دخلت العالم ده برجليها ومن غير ما أعرف.
“أستاذ أدهم؟” صوت ظابط باين عليه التعب جه من السماعة. “عندنا واحدة اسمها إنجي في الحجز، وبتقول إنها شغالة مع حضرتك.”
قعدت مجهود على السرير والمطر نازل يضرب في قزاز البرج اللي ساكن فيه. “التهمة إيه؟”
“اعتداء جسدي جسيم.”
إنجي دي اللي بتلبس جيبات رمادي وحلق لؤلؤ، وبنتعامل مع أكبر المصايب كأنها مجرد لغبطة في جدول المواعيد. عارفة مواعيدي، وأعدائي، وقهوتي بتتشرب إزاي، وأسرار السوق كله.. بس إنجي مش من النوع اللي بيتسحب على الأقسام.
“اعتدت على مين؟”
“حسام زهران. حالياً في العمليات.”
الجملة دي وقفت الدم في عروقي.
حسام ده يبقى الأخ الأصغر لماجد زهران، وأنا بقالي ست شهور بلف وأدور عشان أمنع الخلاف بيني وبين ماجد إنه يتحول لحرب شوارع.
“إصاباته إيه؟”
“فك مكسور، وعظمة الخد فيها كسر، وشوية حاجات تانية.”
“وإنجي؟”
“كدمات، وشفتها مفتوحة، واحتمال كسر في إيدها. رفضت تروح المستشفى غير لما تشوفك.”
كنت بقوم ألبس هدومي لما الظابط كمل: “هي قالت كلمة واحدة بس.”
“إيه هي؟”
“قول لأدهم أنا آسفة.”
بعد سبع دقائق كنت نازل تحت.
سيد السواق كان فاهم ومفتحش بؤه بكلمة وإحنا بنشق الشوارع والغرقانة مطر. أنا عندي واحد وأربعين سنة، ماسك شركات مقاولات، ومطاعم، ومخازن، وشركات استيراد وتصدير، وحاجات تانية كتير الناس مابتحبش تتكلم فيها علني، اسمي لوحده يكهرب المكان.
بس إنجي دايماً كانت بعيدة عن القرف ده كله.
نظيفة.
قسم الشرطة كانت ريحته قهوة بايتة، ومطهرات، وهدوم مبلولة. بعد ورق، وفلوس تدفع، وواحد وعشرين دقيقة انتظار، باب حديد كبير اتفتح.
وخرجت منه إنجي.
لأول مرة من أربع سنين، معرفتش أداري الصدمة على وشي.
شعرها بني ومبلول ومكربس، شفتها متخيطة، وكدمات زرقاء مالية وشها. بلوزتها مقطوعة من عند الكتف، وإيدها ملفوفة، ودم ناشف على صوابعها.
“مين اللي عمل فيكي كده؟”
“الحيطة شاركت في الموضوع.”
“إنجي!”
“ينفع نمشي؟”
“لأ.”
حواجبها اترفت. “لأ؟”
“مش هنمشي غير لما تفهميني حسام زهران في العمليات ليه، وأنتِ طالعة شبه اللي اتحدف من الدور الرابع.”
بصت ناحية العساكر والظباط. “يمكن المكان مش مناسب.”
قربت منها، وفجأة لمست كم جاكتتي بإيدها السليمة.
إنجي عمرها ما لمستني بالطريقة دي قبل كده.
“عشان خاطري.”
كلمة واحدة عملت اللي تهديدات الدنيا كلها معرفتش تعمله.
بعد ثلث ساعة، كنا قاعدين في العربية وستارة القزاز المظلل مرفوعة بيننا وبين سيد. إنجي بتبص على المطر اللي نازل على القزاز، وأنا بحاول أسيطر على الغضب اللي بياكل في صدري.
“ضربتي حسام زهران.”
“هو اللي اعتدى عليا الأول.”
كل جسمي اتجمد.
“فهمني.”
“أنا مشيت وراه.”
بصيتلها بذهول. “عملتي إيه؟”
“مشيت ورا حسام.”
“ليه؟”
غمضت عينها لحظة قبل ما ترد. “عشان جه عند المكتب إمبارح بعد الظهر.”
“مظهرش عندي.”
“عشان مدخلش أصلاً.”
لفت وشها ليا، ونظرة عينها خلت كل حواسي تتسحب للإنذار الأخير.
“ركن عربيتو قصاد الشركة ثلاث ساعات.”
سكرتيرة مش المفروض تلاحظ إن في مراقبة قبل فريق الحراسة بتاعي.
“عرفتي منين؟”
إنجي اترددت.
على مدار أربع سنين، كنت فاكرها الإنسانة الوحيدة في حياتي اللي مالمسهاش القرف اللي بنيته. ودلوقتي قاعدة جنبي متبهدلة وبتنزف بعد ما كانت هتقتل أخو خصمي، وفجأة سألت نفسي: هو أنا فعلاً كنت أعرف الست دي برة حدود المكتب؟
مسكت طرف البالتو بإيدها السليمة وضغطت عليه جامد.
وبعدين بصت في عيني على طول، كأنها بتاخد قرارها إنها تكشف سر فضلت حامياه سنين.
#حكايات_شروق_خالد”كنت ظابطة في الأمن الوطني قبل ما أقدم استقالتي من أربع سنين.”
الجملة نزلت عليا زي الصاعقة. السكوت ساد في العربية، وماكانش مسموع غير صوت مساحات العربية وهي بتمسح المطر من على القزاز وصوت أنفاسها الهادية بالرغم من كل الكدمات اللي في وشها.
بصيتلها بذبول، بحاول أربط بين إنجي الرقيقة، الصبورة، اللي بتنظم نسَخ العقود وبتعمل قهوتي بالمظبوط، وبين الست اللي قاعدة قدامي دلوقتي بدمها وكسورها وبتقولي بكل بساطة إنها كانت ظابطة أمن دولة!
“أمن وطني؟” كرر الكلمة بصوت واطي ومبحوح. “وأنا أعمى طول الأربع سنين دول؟”
“حضرتك مش أعمى يا أدهم بيه.. أنا بس كنت شاطرة في إني أختفي.” ابتسمت نص ابتسامة وجعته شفتها المتخيطة، فكشرت من الألم وكملت: “استقلت عشان كنت تعبت من شغلانة المخابرات والقرف ده، وكنت عايزة حياة طبيعية.. مكتب، مواعيد، شغل عادي.. وحضرتك كنت المكان المثالي لده.”
“المكان المثالي؟!” صرخت بصوت مكتوم عشان سيد السواق ماليش دعوة. “أنا أكبر حيتان المعمار والسوق المظلم في البلد! بقى ده المكان الطبيعي الهادي بالنسبة لكِ؟!”
“كنت فاكرة إن حمايتك من بعيد لبعيد هتبقى رد جميل لوجودي في شركتك.. لحد إمبارح.”
أخدت نفس عميق، ووضحت أكتر: “حسام زهران ماكانش جاي يراقب الشركة وبس يا أدهم بيه.. حسام كان جايب معاه ناس ومعاهم عبوة بدائية وكانوا ناويين يحطوها في جراج عربيتك تحت البرج.”
الدم اتجمد في عروقي. “وأنتِ عرفتي كل ده إزاي؟”
“لمحت عربية حسام.. أنا حافظة أرقام العربيات المشبوهة، وشفته وهو بينزل مع واحد من رجالته ويدخلوا الجراج الخلفي. نزلت وراهم.. ولما حاول يرفع عليا سلاح لما كشفتهم، كان لازم أتصرف بسرعة قبل ما يلحق يضرب نار أو يفجر المكان.”
سكتت لحظة، ونزلت عينيها لإيدها الملفوفة: “الموضوع خرج عن السيطرة لما حاول يمسكني من رقبتي.. طيرت السلاح من إيده، والضربة اللي في فكه دي كانت رد فعل تلقائي من أيام التدريب.. الحيطة بس خبطت فيها وأنا بتفادا حركة رجله.”
كنت قاعد مش قادر أستوعب.. الست اللي كنت خايف عليها من الهوا، طلعت هي اللي حاميتني وحامية شركتي من انفجار كان هيدمر كل حاجة!
مسكت إيدها السليمة بالراحه، وبصيت في عينيها بثقل وقسوة: “ماجد زهران مش هيسكت يا إنجي.. أخوه في العمليات، ولو عرف إنك شغالة معايا، الحرب اللي بقالي ست شهور بتهرب منها هتولع في القاهرة كلها قبل ما الصبح يطلع.”
إنجي بصتلي بصلابة وعينين مافيهومش نقطة خوف، وقالت وهي بتعدل قعدتها رغم الألم:
“خليهم يجوا يا أدهم بيه.. أنا ما سبتش الخدمة عشان نسيت التدريب.. وأنا مع أدهم الفولار، مش مجرد سكرتيرة.”
العربية وقفت قدام المستشفى الخاص بتاعي. فتحت الباب ونزلت، ومديت إيدي ليها عشان أساعدها تنزل.