عقاب السكوت: عندما تختفي الزوجة بالتوأم قبل الفجر#حكايات_شروق_خالد
مسك جابر الكارت بين صوابعه اللي بترتعش، وعينيه متثبتة على العنوان المكتوب بخط إيدها الأنيق والمضبوط: “قرية الفجالة القديمة – بيت الألفي الأخير”.
الكارت ماكانش عادي، كان ورقة قديمة من بتاعة برديات الترميم اللي نورهان كانت شغالة فيها.
“سيد!”
صوت جابر هزّ أركان الدور الثاني كله. سيد طلع يجرُي، والسلاح في إيده، وعينيه زي الجمر: “أمرك يا جابر بيه! لقينا حاجة؟”
“تعرف مكان بالاسم ده؟” جابر حدف له الكارت.
سيد مسك الكارت وقرا المكتوب، ووشه اتغير تمامًا، حتة الخياطة القديمة اللي في فكه اشدّت: “ده… ده المكان القديم بتاع جُدك يا باشا. المكان اللي العيلة سابته من أربعين سنة بعد الحرب الكبيرة مع عيلة العطار. ده مقطوع عن الخدمة، ومافيش فيه حتى شبكة تليفون! هي عرفت المكان ده منين؟!”
في اللحظة دي، جابر افتكر.. من سنتين، لما كانت نورهان بتنضف مكتبة الفيلا القديمة، ولقيت أوراق ملكية وألبومات صور قديمة للفيلا المهجورة دي في أطراف أطفيح. وقتها سألته بفضول: “هو بيت جدك ده لسة موجود؟”، وهو رد عليها بلامبالاة وسخرية: “بيت مهجور ومقطوع، ماحدش يقدر يعيش فيه يوم واحد”.
هي ماكانتش بتسأل بفضول… كانت بتدرس الخريطة.
“جهّز العربيات.” جابر قالها بصوت هادي ومُرعب، أهدى بكثير من العاصفة اللي جواه. “مش عايز رجالة كتير. أنت وأنا وأربعة من أتقل الرجالة. ومش عايز سلاح يبان. لو حد هناك، أنا اللي هتعامل معاه بنفسي.”
بعد ساعة ونص، كانت العربيات بتشق طريق ترابي ضيق وسط الأراضي الزراعية المهجورة في أطراف الجيزة. الشجر الميت على جانبي الطريق كان عامل زي الأشباح في ضباب العصر.
العربيات وقفت على بعد 200 متر من البيت.
كان بيت قديم مبني بالطوب الأحمر العريان، طابقين، الشبابيك متكسرة ومقفولة بخشب، والباب الرئيسي الخشب العتيق مخلوع ومحطوط بداله باب حديد مصدي.. بس كان فيه دخان أبيض خفيف طالع من مدخنة البيت.
فيه روح جوه. فيه حطب بيتحرق.
جابر نزل من العربية، ورجالته اتوزعوا في صمت مرعب حوالين البيت. سحب مسدسه من جنبه، ومشى بخطوات ثابتة لحد ما وصل للباب الحديد.
زق الباب.. الباب اتفتح بصوت صرير يوجع الضروس.
البيت من جوه ماكانش زي ما جابر متوقع. ماكانش مقبرة مهجورة.
كان فيه دفا. ريحة خشب الزيتون المحروق مالية المكان، وملايات بيضا نظيفة متعلّقة على#حكايات_شروق_خالد شبابيك عشان تمنع الهواء الساقع. وعلى الترابيزة القديمة في النص، كان فيه علب لبن أطفال معقمة، وشاش، وأدوية مطهرة، وسخان مية شغال ببطارية عربية.
ومن الدور الثاني… جه الصوت.
صوت بكاء خفيف.. ناعم.. بتاع طفل يادوب مولود.
جابر حس إن رجيله مش شايلاه. قلبه كان بيلطم في قفصه الصدري. حط المسدسه في جيبه، وطلع السلم الخشب اللي بيزيق تحت جزمته.
وصل للغرفة الوحيدة اللي قايد فيها نور لمبة سهاري صغيرة.
كانت قاعدة على كرسى هزاز قديم، متلففة ببطانية صوف تقيلة. وشرها كان أصفر زي الشمع، وعينيها تحتها سواد كحلي من التعب والنزيف.
وفي حضنها… لفافتين بيض.
نورهان مالمستش ولا كلمة. مااتخضتش لما شافته واقف على الباب. رفعت عينها المجهدة بصت له بمنتهى الهدوء، وكأنها كانت مستنياه يوصل في الدقيقة دي بالظبط.
جابر اتسمر في مكانه، صوته كان طالع بالعافية، مبشوح ومكسور: “نورهان…”
ماقلتش “ليه عملت كده؟”
وماقلتش “أنت كنت فين؟”
بصت له وقالت ببرود أبرد من طقس نوفمبر: “تأخرت يا جابر… الولاد جاعوا وناموا مرتين وأنت لسة بتدور عليا في الشوارع اللي فاكر إنك بتملكها.”
جابر قرب خطوة، ودموعه نزلت لأول مرة في حياته، بص للرضايع اللي في حضنها: “أنا… أنا آسف.. أنا…”
نورهان رفعت إيدها الواهنة وحطت صباعها على شفايفها عشان تسكته:
“أنا ماببكيش على اللي فات يا جابر.. ولا جاية أحاسبك على ريحة الفانيليا اللي في هدومك. أنا جيت هنا عشان أربيهم بعيد عن الدم بتاعك، وعن القرف بتاعك. أنت فاكر إنك لقيتني؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة موجعة، وبصت للباب اللي وراه:
“أنا اللي خليتك تلاقيني… عشان تاخد الدبلة، وتعرف إن اللحظة اللي طفيت فيها تليفونك إمبارح… كانت آخر لحظة ليك كأب وكزوج في حياتنا.”
وفجأة، صوت عربية ثقيلة وقفت بره الفيلا، وصوت حركة رجالة مسلحين مش بتوع جابر خالص بدأوا يحيطوا بالبيت من بره.
نورهان بصت له في عينيه مباشرة وقالت:
“أنت فاكر إن سيد كتم السر عنك؟ سيد هو اللي نقلني هنا يا جابر… أخوك في السلاح هو اللي حماني منك.”