عقاب السكوت: عندما تختفي الزوجة بالتوأم قبل الفجر#حكايات_شروق_خالد

#حكايات_شروق_خالد
جابر اتجمد في مكانه، الدم هرب من وشه، والبيت كله بقى عبارة عن صمت مرعب إلا من صوت بكا الأطفال الخفيف وصوت الخطوات التقيلة اللي بتحاصر المكان من بره.
لف رقبته ببطء وسمع صوت خطوات “سيد” على السلم الخشب.. خطوات واثقة، مافيهاش أي تردد بتاع واحد خايف أو خاين اتكشف.
سيد وقف على باب الأوضة، مسدسه مش مرفوع في وش جابر، بس كان ماسكه بإيده بكل ارتياح. بص لجابر وقال بنبرة هادية مفيهاش ندم:
“متأسف يا جابر بيه.. بس أنت نسيت أصلنا. جُدك الله يرحمه علّمنا إن الحرمة والعيال خط أحمر، وإن الراجل اللي يبيع بيته وعياله عشان نِسوان ورخاص، مابيبقاش كبير.. بيبقى حمل تقيل على الكل.”
جابر اتخنق، صوته خرج كأنه حشرجة من قاع جُبه:
“سيد؟ أنت يا سيد؟ أنا اللي عملتك! أنت تبيعني أنا عشان… عشان ست؟”
“أنا مابعتكش يا جابر.. أنت اللي بعت نفسك من زمان،” سيد رد وهو بيبص لنورهان باحترام، “نورهان هانم لمّا جت لي من شهر وهي بطنها قدامها وقالت لي إنك مابقتش شايف غير قرفك، وإنها خايفة على عيالك من العافية اللي أنت عايش فيها، أنا قريت الفاتحة معاها.. إحنا هنا مش بنخونك، إحنا بننقذ عيلة الألفي من الجنان بتاعك.”
نورهان قامت ببطء شديد، كل حركة كانت بوجع في جسمها اللي لسة بينزف، بس ظهرها كان مفرود زي السيف. شالت اللفافتين في حضنها وقرّبت من جابر.. وقفت قدامه على بعد خطوة واحدة.
ريحة الدم النظيف مع ريحة لبن الأطفال كانت طالعة منها، غطت على أي ريحة ثانية في ذاكرته.
بصت في عينيه وقالت بصوت هادي كأنه همس، بس يرن في الأوضة زي صدى الرعد:
“أنا مش هقتلك يا جابر، ولا هخلي سيد يلمسك. عقابك الحقيقي إنك هتعيش بطولك. الفيلا الكبيرة اللي أنت فرحان بيها هتقعد فيها لوحدك.. الفلوس، والنفوذ، والسلاح، والعربيات.. كل ده هيبقى ملكك، بس مش هتسمع صوت طفل بيقولك ‘يا بابا’.”
جابر حاول يمد إيده، يلمس طرف اللفافة، يلمس صباع عيل من عياله.. بس سيد حرك مسدسه بحركة خفيفة ووقف في النص بينه وبينهم.
“العربيات بره جاهزة يا هانم،” سيد قالها بوقار.
نورهان مشت من جنب جابر، ما بصتلوش تاني.. ولا حتى بؤرة عينها جابت خياله. عدت من جنبه وكأنه هو اللي بقى الأشباح، مش البيت القديم.
جابر وقف في نص الأوضة، رجليه كأنهم متثبتين بمسامير في الخشب القديم. سمع صوت خطواتها وهي نازلة السلم، صوت الباب الحديد وهو بيتقفل، وصوت موتور العربيات وهي بتدور وتبعد في طريق التراب.. لحد ما الصوت اختفى خالص.
البيت رجع ضلمة.. والبرود بتاع نوفمبر دخل من الشباك المكسور ولَفّ حولين رقبة جابر زي المشنقة.
قعد على الكرسي الهزاز اللي كانت قاعدة عليه من شوية.. مسك البطانية الصوف اللي سابتها وراها، وحط وشه فيها ومسكها بقوة.
ولأول مرة من يوم ما اتولد… جابر الألفي قعد في الضلمة، وبكى زي العيال الصغار.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *