شروق خالد ج 1

الجزء الأول
ارقصي معايا.
الكلمة نزلت عليا كأنها صدمة.
رفعت عيني وبصيت للراجل اللي واقف قدامي، ومخي رفض يستوعب اللي سمعته.
آسر الجبالي.
أخطر راجل في القاعة كلها.
الراجل اللي مجرد اسمه كان كفاية يخلي ناس كتير تسكت.
كان واقف قدامي ببدلته السودة، وشه جامد ونظراته ثابتة، وإيده ممدودة ناحيتي كأنه فعلًا مستني إني أحط إيدي في إيده.
بصيت ورايا بسرعة.
يمكن بيكلم واحدة تانية.
يمكن أنا فهمت غلط.
لكن مفيش حد ورايا.
رجعت بصيت له وقلت بتوتر
أنا؟
قال من غير ما يرمش
أيوه… إنتِ.
حكايات_شروق_خالد
بصيت على الصينية اللي في إيدي.
بس أنا بشتغل يا بيه.
قرب خطوة.
عارف.
طب أرقص إزاي وأنا…
قاطعني بصوت هادي
سيبي الصينية.
لو المدير شافني…
أنا اللي هكلمه.
اترددت.
الناس حوالينا بدأت تلاحظ اللي بيحصل.
واحدة من الستات بصت لصاحبتها وهمست
هو آسر الجبالي بيكلم النادلة؟
راجل تاني ضحك وقال
واضح إن الليلة فيها حكاية.
وشي سخن من الإحراج.
أنا كنت آخر واحدة ممكن حد زي آسر الجبالي يختارها قدام الناس دي كلها.
لبسي كان بسيط.
جزمة الشغل كانت بتوجع رجلي.
وشعري كنت لامماه بسرعة عشان ما يعطلنيش وأنا بخدم الزباين.
ومع ذلك…
آسر لسه مادد إيده.
قلت بصوت واطي
ليه أنا؟
نظرته اتغيرت.
قرب مني لحد ما بقى صوته همس ما يسمعوش غيري
عشان في حد بيراقبك.
جسمي اتجمد.
بيراقبني؟
بقاله تلات شهور.
إيدي شدت على الصينية.
إنت بتخوفني ليه؟
أنا بحذرك.
مين؟
بص فوق كتفي للحظة، وبعدين رجع بصلي.
راجل واقف في البلكونة.
غصب عني كنت هلف.
لكن إيده مسكت إيدي.
ما تبصيش.
ليه؟
عشان لو عرف إنك خدتي بالك منه، هنخسره.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
إنت تعرفني منين أصلًا؟
آسر ما جاوبش.
بدل ما يرد، أخد الصينية من إيدي وسلمها لواحد من رجاله.
وبعدين مد إيده تاني.
المرة دي ما كانش فيها اختيار.
مسكت إيده.
ودخلت معاه ساحة الرقص.
الموسيقى كانت شغالة، والناس حواليّنا بدأت تبص.
آسر حط إيده على وسطي، وأنا حسيت إني مش عارفة أتنفس.
قلتله
أنا مش بعرف أرقص.
قال بهدوء
مش مهم.
أمال إنت جايبني هنا ليه؟
عشان اللي بيراقبك يفتكر إنك معايا.
بصيت له.
وإنت مش خايف عليه؟
ابتسم ابتسامة صغيرة من غير أي فرحة.
هو اللي المفروض يخاف.
بدأنا نتحرك مع الموسيقى.
لكن أنا كنت مشغولة بحاجة واحدة.
مين اللي بيراقبني؟
آسر قرب مني وقال
كملي ابتسامة.
حاولت أبتسم.
أنا خايفة.
خلي الخوف جواكي.
أنا أصلًا مش فاهمة حاجة.
هتفهمي.
إيده اتحركت على طرف الزي بتاعي، عند شعار الفندق.
وفجأة سمعنا صوت خفيف.
آسر وقف لحظة.
وبعدين دخل صوابعه بين القماش وسحب جهاز أسود صغير.
حكايات_شروق_خالد
بصيت له بخوف.
إيه ده؟
قال
جهاز تتبع.
حسيت إن الدم نشف في عروقي.
إيه؟
قلب الجهاز في إيده.
وفيه ميكروفون.
بصيت حواليا.
مين حطه؟
آسر قرب مني أكتر وقال
ده اللي هنكتشفه.
طب ليه أنا؟
سكت.
وبعدين قال
عشان حد مهتم يعرف كل كلمة بتقوليها وكل مكان بتروحيه.
افتكرت ساعتها حاجات كتير.
العربية السودا اللي كانت بتقف تحت بيتي.
الراجل اللي كنت بشوفه كل يوم تقريبًا في محطة المترو.
والظل اللي لمحته مرة عند باب العاملين.
كنت دايمًا بقول لنفسي إني بتخيل.
إني تعبانة.
إني غلبانة وبخاف زيادة.
لكن دلوقتي…
طلع إحساسي كان صح.
آسر بصلي وقال
هما ما حطوش الجهاز عليا يا مريم.
اتنفضت لما نطق اسمي.
إنت عرفت اسمي إزاي؟
بصلي بنظرة غامضة.
أنا عارف عنك أكتر مما تتخيلي.
قبل ما ألحق أسأله…
النور قطع.
القاعة غرقت في الضلمة.
صرخات الستات علت.
وبعدها مباشرة…
صوت إزاز بيتكسر دوّى في المكان.
آسر شدني ناحيته.
وطي!
اترميت في حضنه غصب عني.
ثواني مرت كأنها ساعات.
وبعدين أنوار الطوارئ اشتغلت.
بصيت على الأرض.
الصينية اللي كنت شايلة عليها المشروبات كانت واقعة في نفس المكان اللي كنت واقفة فيه من شوية.
وفي نصها سهم صغير.
طرفه مبلول بسائل شفاف.
بصيت لآسر وأنا برتعش.
ده كان مقصود بيه إنت؟
آسر بص للسهم.
وبعدين بصلي.
لأ.
أمال مين؟
قال بمنتهى الهدوء
إنتِ.
حسيت إن رجلي مش شيلاني.
وقبل ما أقدر أتكلم، واحد من رجاله قرب منه ومد له موبايل.
باشا… لقينا ده عند البلكونة.
آسر أخد الموبايل.
وبمجرد ما شاف الشاشة، ملامحه اتغيرت.
قربت منه.
كانت فيه صورة قديمة جدًا.
بنت صغيرة واقفة قدام مطعم محروق.
لابسة جاكت كبير.
وشها مليان تراب ودخان.
وفي جبينها جرح.
نفسي اتقطع.
قلت
دي… أنا.
آسر بصلي.
متأكدة؟
هزيت راسي.
أيوه.
وتحت الصورة ظهرت رسالة
اسألها شافت إيه ليلة الحريق… قبل ما الموسيقى تسكت.
وفجأة…
ذاكرتي رجعت.
أمي قدام البيانو.
صوت موسيقى.
راجل بينزف على الأرض.
باب بيتقفل.
وصوت راجل بيقول
البنت شافتنا.
وصوت تاني بيرد
دي طفلة.
والصوت الأول قال
لما تكبر… هترجعنا لكل اللي حصل.
فتحت عيني بفزع.
وفي نفس اللحظة شفت مدير المطعم بيجري ناحية باب المطبخ.
صرخت
هو!
آسر لف بسرعة.
رجالته جريوا وراه.
وفي ثواني مسكوه.
آسر بصلي وقال
إنتِ… تعالي معايا.
ودخلنا المكتب.
ومن اللحظة دي…
بدأت الحقيقة اللي أمي حاولت تدفنها سنين آسر دخل الأوضة وقفل الباب وراه بهدوء.
المدير كان واقف قدامه، وشه أصفر، وإيده بتترعش.
مريم كانت واقفة جنب الباب، مش قادرة تستوعب إن الراجل اللي طول عمرها شايفاه مدير الفندق المحترم، واللي كان دايمًا بيعاملها كأنها مجرد بنت غلبانة محتاجة الشغل… هو نفسه ممكن يكون عارف سر موت أمها.
آسر حط الموبايل على المكتب.
اتكلم.
المدير بلع ريقه.
أنا… معرفش حاجة.
آسر ابتسم ابتسامة باردة.
الغريبة إن كل اللي بيكدبوا عليا بيبدأوا بنفس الجملة.
المدير بص لمريم.
هي السبب.
مريم اتجمدت.
أنا؟
أيوه… إنتي.
آسر قرب منه خطوة.
وضح.
المدير مسح عرقه.
أمها كانت عارفة حاجة مكانش ينفع تعرفها.
مريم حسّت إن نفسها اتقطع.
أمي؟
أمك كانت شغالة هنا قبل ما الفندق يتغير اسمه.
مريم قربت منه.
أمي عمرها ما قالتلي إنها اشتغلت هنا.
حكايات_شروق_خالد
لأنها كانت خايفة.
آسر بص له بحدة.
خايفة من مين؟
المدير سكت.
آسر خبط بإيده على المكتب.
من مين؟!
الراجل انتفض.
من أبوك.
الصمت نزل على الأوضة.
مريم بصت لآسر.
آسر ما اتحركش.
لكن عينيه اتغيرت.
أبويا؟
المدير هز راسه.
أيوه… الحاج جلال الجبالي.
آسر ضحك ضحكة قصيرة من غير أي فرحة.
إنت عارف إن أبويا مات من عشرين سنة؟
عارف.
يبقى إزاي كان بيخوف أم مريم؟
المدير بص للأرض.
لأن اللي حصل زمان ما ماتش معاه.
مريم قربت أكتر.
قول كل حاجة.
المدير رفع عينه عليها.
ليلة الحريق… أمك ما كانتش لوحدها.
قلب مريم خبط.
كان معاها راجل.
مين؟
واحد من رجالة الجبالي.
آسر عقد حاجبيه.
اسمه؟
المدير سكت.
آسر مسكه من ياقة قميصه.
اسمه!
حسام.
آسر سيبه فجأة.
الاسم وقع في المكان كأنه قنبلة.
مريم بصت له.
إنت تعرفه؟
آسر ما ردش.
المدير قال بصوت واطي
حسام كان أقرب واحد لأبوك… وبعد الحريق اختفى.
مريم قربت من آسر.
إنت كنت تعرف إن في حد اسمه حسام؟
لا.
يبقى ليه وشك اتغير؟
آسر بص لها.
عشان حسام ده كان مسؤول عن تأمين أبويا ليلة موته.
مريم حطت إيدها على بقها.
يعني…
يعني اللي حصل لأمك وله علاقة بأبويا… ممكن يكون مرتبط بنفس اللي حصل لعيلتي.
المدير اتحرك ناحية الباب.
أنا قلتلكم اللي أعرفه.
آسر وقف قدامه.
لأ. إنت لسه ما قلتش أهم حاجة.
إيه؟
آسر أشار للموبايل.
الرسالة قالت اسألها هي شافت إيه قبل ما الموسيقى تسكت.
بص لمريم.
إنتي شوفتي إيه؟
مريم سكتت.
صورة أمها قدام عينيها.
الموسيقى.
الراجل اللي بينزف.
الصوت.
وفجأة… افتكرت حاجة.
حكايات_شروق_خالد
جة كانت مدفونة في دماغها سنين.
حكايات_شروق_خالد
مريم حطت إيدها على راسها.
أنا… شفت خاتم.
آسر قرب منها.
خاتم إيه؟
في إيد الراجل اللي كان واقع.
شكله؟
أسود… وفيه علامة غريبة.
آسر اتجمد.
علامة إيه؟
مريم رسمت بإصبعها في الهوا.
زي… رأس نسر.
المدير شهق.
آسر لف ناحيته.
إنت تعرف العلامة دي.
المدير بدأ يرجع لورا.
لا.
إنت تعرفها.
والله ما أعرف.
آسر مسكه.
آخر مرة هسألك.
المدير انهار.
دي علامة جماعة اسمها أولاد الليل.
مريم همست
أولاد الليل؟
جماعة كانت بتشتغل في الخفاء… تهريب، ابتزاز، قتل… وأبوك كان بيحاول يبعدهم عن البلد.
آسر بص له.
وكان حسام واحد منهم؟
المدير هز راسه.
لا… حسام كان بيحاول يكشفهم.
يبقى مين قتل حسام؟
المدير سكت.
وفي اللحظة دي…
موبايل آسر رن.
بص للشاشة.
رقم مجهول.
رد.
محدش اتكلم.
وبعد ثانيتين، جه صوت راجل خشن
لو عايز تعرف أم مريم ماتت إزاي… اسألها عن المفتاح.
آسر شد الموبايل في إيده.
مين إنت؟
ضحكة قصيرة ظهرت من الناحية التانية.
اللي كان واقف ورا أمها ليلة الحريق.
مريم قربت من آسر.
مين؟
الصوت قال
وقلها إن المفتاح اللي معاها… مش بيفتح باب.
المكالمة اتقفلت.
مريم بصت لآسر وهي مش فاهمة.
مفتاح إيه؟ أنا معاياش أي مفتاح.
المدير بدأ يعرق أكتر.
آسر بص له.
إنت متأكد؟
المدير هز راسه.
أمها كانت سايبة مفتاح.
فين؟
مش معايا.
فين؟!
عندها هي.
مريم اتراجعت.
أنا؟
المدير قال
أمك قبل ما تموت بيومين جابتلي ظرف.
ظرف؟
وقالتلي لو حصل لها حاجة… أسلمه لمريم لما تتم تمنتاشر سنة.
مريم شهقت.
وأنا عندي المفتاح ده؟
المدير أومأ.
أمك قالتلي إنها خبته في مكان مستحيل حد يدور فيه.
آسر بص لمريم.
فين حاجات أمك؟
حكايات_شروق_خالد
مريم افتكرت فجأة صندوق قديم.
صندوق كانت أمها مانعة عنها تفتحه طول عمرها.
في البيت.
آسر سأل
الصندوق فين؟
تحت السرير.
المدير قال بسرعة
لا!
الكل بص له.
ماتروحوش هناك.
آسر قرب منه.
ليه؟
المدير صوته اتكسر.
لأنهم أكيد عرفوا إن المفتاح ظهر.
مريم حسّت بقشعريرة.
مين هم؟
المدير بص لها.
اللي بيراقبوكي من تلات شهور.
آسر فتح الباب فورًا.
هنخرج من هنا حالًا.
مريم جريت وراه.
لكن قبل ما يوصلوا للمصعد…
النور قطع.
الفندق كله غرق في الظلام.
مريم مسكت ذراع آسر.
آسر…
صوت خطوات بدأ يقترب من آخر الطرقة.
خطوة…
خطوة…
خطوة…
آسر حط إيده قدام مريم.
ماتتحركيش.
صوت معدني سمعوه.
كأن حد بيجهز سلاح.
آسر سحب مريم ورا عمود رخامي في نفس اللحظة.
طلقة خرمت الحيطة.
مريم شهقت.
آسر همس
لما أقولك اجري… اجري من غير ما تبصي وراكي.
وأنت؟
أنا وراكي.
طلقات تانية ضربت المكان.
آسر خرج من مخبأه بسرعة.
صوت خناقة اتسمع في الظلام.
مريم فضلت مكانها ثواني.
وبعدين سمعت صوت آسر
مريم! اجري!
جريت ناحية السلم.
لكن أول ما وصلت…
حد مسك إيدها من ورا.
مريم صرخت.
الراجل حط إيده على بقها.
ماتخافيش… أنا مش عايز أقتلك.
مريم حاولت تفلت.
الراجل قرب من ودنها وقال
أنا جاي آخدك للمكان اللي أمك خبّت فيه الحقيقة.
مريم اتجمدت.
إنت مين؟
الراجل شال إيده ببطء.
ولما نور الطوارئ اشتغل…
مريم بصت لوشه.
واتصدمت.
لأن الراجل اللي واقف قدامها…
كان نفس الراجل اللي شافته في ذكرياتها ليلة الحريق.
نفس الجرح فوق حاجبه.
نفس الخاتم الأسود.
ورفع إيده وقال
أنا حسام… وصدقيني، أمك ما ماتتش زي ما إنتي فاكرة مريم فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تنطق.
عينها كانت مثبتة على الجرح اللي فوق حاجب حسام…
حكايات_شروق_خالد
نفس الجرح.
نفس ملامح الراجل اللي كانت شايفاه في كوابيسها من وهي صغيرة.
همست بصوت مرتعش
إنت… إنت كنت هناك.
حسام هز راسه.
أيوه.
إنت كنت واقف جنب أمي.
أيوه.
وشفت اللي حصل لها؟
حسام بص لها، وعينيه كان فيهم وجع قديم.
أنا شفت كل حاجة.
مريم قربت منه.
يبقى قولي… مين قتل أمي؟
حسام سكت.
وفجأة صوت آسر جه من آخر الطرقة
ابعد عنها.
حسام لف.
آسر كان واقف على بعد كام

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *