رد الجميل ج1 حكايات شروق خالد

في نفس اليوم اللي دخلت فيه السجن، التلموا عليها التلاتة اللي ماسكين العنبر، ووقفوا للحاجة اللي عندها ٧٨ سنة في حلقة. طلبوا منها تطلع كل اللي معاها بالود، بس هي رفضت، ودا اللي فتح عليها باب ضرب وهدلة ما ترحمش.

بس اللي ما كانوش يعملوا حسابه، إن فيه حاجة تقلب الموازين كلها كانت على وشك تحصل…الحاجة أمينة وصلت السجن من ورا الشمس في الصبح بدري. كانت يا مولاي كما خلقتني، مالهاش صوت، ماسكة في إيديها شنطة قماش صغيرة فيها شوية كراكيبها ومقرپصاها على صدرها، وعينيها بتلف في المكان وخايفة من الخيال.

ست عندها ٧٨ سنة، سمّاعتها بعافية وحركتها بالعافية، بتبان غلبانة لدرجة إن كل اللي في السجن عينهم راحت عليها أول ما دخلت. بعد ما خلصوا إجراءات التفتيش، السجانة أخدتها من إيدها لحد العنبر، شاوراتلها على السرير وقالتلها:— كمان شوية هينزلوا الكل على الحوش.

الست الغلبانة ما أخدتش بالها إن العيون كلها كانت بتاكلها. في الحوش، كانت واقفة واحدة بيسموها “الشفُرة”. الكلب ما يسترجيش يهوب ناحيتها. واحدة جثة وشكلها يخوف، وشها كله قسوة وتكشيرة تقطع الخميرة من البيت، وماشية وراها اتنين من صبيانها ينفذوا الأمر قبل ما تنطق بيه.

أول ما الشفُرة لقطت الوافدة الجديدة، شفايفها اتلوت بابتسامة صفرا:— شوف جابولنا مين!البتين اللي معاها كعكعوا من الضحك. الحاجة أمينة حاولت تمشي وتفادي المشاكل، بس الشفُرة نطت قفلت السكة في وشها.— أرجوكي يا بنتي… بلاش كده. الشفُرة ضحكت بصوت عالٍ:— اسمعوا البت!

وبترد كمان وبتقولنا نعمل إيه وما نعملش إيه!— الكلام دا ما ياكلش معانا. في ثانية كانت الشفُرة شادة الشنطة من إيدها وقلباها على الأرض. وقع منها مشط قديم، وشوية صور متطبقة، ومنديل، وعلبة صغيرة على الإسفلت.

البنات قعدوا يضحكوا ويهيصوا:— إيه القرف دا؟ إحنا ضيعنا وقتنا عشان الزبالة دي؟الحاجة أمينة وطت في صمت عشان تلم لمتها من الأرض. راح واحدة من البنات رقعت الصورة برجالها طيرتها بعيد.— غوري من وشنا يا مكركبة، وروحي حفي وراها. السجينات كانوا واقفين يتفرجوا من بعيد لبعيد.

بس ولا واحدة قدر يفتح بقها ولا يتدخل. الكل عارف الشفُرة وعارف آخرة اللي يقف في وشها: اللي هيفكر يفك الأزمة دي، هيبقى هو الوجبة التانية. الحاجة أمينة جابت الصورة بالراحة وجمعتها. ولسه بتعدل ظهرها عشان تقوم، راحت الشفُرة مديالها زقة تمام من ظهرها.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *