رد الجميل ج1 حكايات شروق خالد
العجوزة اختل توازنها وراحت نازلة على ركبها. ضحك البنات علِي في الحوش.— إنتِ إيه اللي جابك هنا أصلًا؟ — واحدة منهم قالتها بتريقة — إنتِ مكانك في المأوى ولا دار مسنين!حاولت تقوم تاني. بس البت التانية زقتها زقة أقوى.
المرة دي الست اتقيلت على الأرض واتدحرجت.— خلاص… الله يخليكم — همست العجوزة وهي بتلهث. بس الترجي دا ولّع فيهم زي الزيت على النار. الشفُرة جابتها من هدومها وشالتها حتة واحدة لفوق.— هنا كلمة أمك هي اللي تمشي!
وقالت الكلمة من هنا، وراحت نازلة على وشها بكتف قلم يطير العقل. الحاجة أمينة اتدمرت بالبكاء وحطت إيديها على رأسها تتدارى. والتلاتة النازلين فيها ضرب وزق من كل ناحية، وواحدة نازلة على ظهرها بإيدها. الهدوء نزل على الحوش زي الموت.
الكل واقف يتفرج ومسمر في أرضه. محدش يستجرى يتدخل. كان باين إن خلاص مفيش حد يقدر يوقف الشفُرة وصبيانها عند حدهم. وفجأة… حصلت اللقطة اللي محدش في السجن كله كان يعمل حسابها. الشفُرة جمدت في مكانها. الضحكة اتشفطت من وشها. بصت للحاجة أمينة، ولأول مرة، الرعب الجد ظهر في عينيها.
علشان في اللحظة دي بالذات… حقيقة الست الغلبانة أبو ٧٨ سنة اتكشفت للكل…لأن الصورة اللي طارت على الأرض، واللي الشفُرة ورجالتها قعدوا يتريقوا عليها، ما كانتش صورة عادية…واحدة من السجينات اللي واقفات بعيد قربت بفضول وبصت على الصورة المرمية، وعينيها برقت من الصدمة.
الهمهمات بدأت تزيد في الحوش زي النار في القش، لحد ما واحدة ندهت بصوت موطّي بس مرعوب:— يا نهار أسود… دي صورة لواء الشرطة!الشفُرة بصت لصحبتها بذهول، وبعدين بصت للصورة اللي على الأرض. كانت صورة قديمة لراجل برتبة كبيرة في الداخلية، وعلى كتفه نسر ونجوم، وحاطط إيده على كتف الحاجة أمينة وهما بيضحكوا.
.. الراجل دا كان أكبر قيادة أمنية مسكت قطاع السجون والمباحث الجنائية لسنين طويلة، وكان كابوس لكل مسجل خطر في البلد!الشفُرة ريقها جف، وقبل ما تنطق، العلبة الصغيرة اللي وقعت من الشنطة واتفتحت على الأرض… خرجت منها ميدالية النجمة العسكرية وكارنيه خاص.
الحاجة أمينة رفعت رأسها بالراحة. الدموع كانت في عينيها، بس نظرة الخوف والضعف اختفت تماماً. مسحت الدم من على شفتها، وبصت للشفُرة بجمود يرعب. وفي نفس اللحظة، اتفتحت أبواب الحوش بفرقعة شديدة. دخل مأمور السجن بنفسه، ورئيس المباحث، ووراهم كتيبة كاملة من الحراس والسجانات بيجروا وهما مرعوبين.
