شبح في جراج المستشفى ج1 حكايات شروق خالد
حكايات شروق خالد
يوسف العطار سابني واقفة ومشي بخطوات هادية ناحية الأسانسير الخاص بالإدارة.
فضلت متنحة للكارت الأسود اللي في إيدي.. مكتوب عليه بخط ذهبي بارز: «يوسف العطار – رئيس مجلس إدارة مجموعة العطار للاستثمار والتطوير».
ركبت عربيتي بالعافية، إيدي كانت لسه بتترعش على الدركسيون. دورة الموتور كان ليها صوت عالي يرن في الجراج الفاضي. أخدت نفس عميق، وطلعت على البيت وأنا كل شوية أبص في المراية اللي في النص، خايفة ألمح خيال سيد طالعلي من أي شارع ضيق.
ليلتها مانمتش.
طول الليل صوت سيد وهو بيقول «الحساب بيني وبينها مخلصش» يرن في ودني، وصورة يوسف العطار ونظرته الثابتة والبرود اللي اتعامل بيه مع بلطجة سيد مش راضية تفارق خيالي.
الساعة جاب تسعة الصبح، وكنت داخلة المستشفى للشيفت الجديد والجزم تقيلة في رجلي.
أول ما وصلت بوابات الجراج تحت، لقيت أمن الجراج بيوقفني.
خفت.. قلبي وقع في رجلي وقلت سيد عملها ورجع تاني!
بس فرد الأمن ابتسم ب احترام وقال: «دكتورة مريم؟ اتفضلي اطلعي جراج VIP بتاع مجلس الإدارة في الدور الأرضي.. التابلوه عندك متسجل خلاص والكارنيه اتعدل.»
طلعت الجراج الفوقاني، كان منور، مدهون، وفيه أفراد أمن واقفين عند كل نقطة. نزلت من العربية وأنا حسة بفرامل اترفت من على صدري.
وأنا داخلة مبنى العيادات، لقيت زميلتي الممرضة سمر ماسكة كوباية القهوة وجاية تجري عليا وشها أصفر:
«مريم! أنتِ كويسة؟! المستشفى كلها بتتكلم عن اللي حصل امبارح في الجراج!»
«هو الخبَر لحق يوصل؟»
«وصل؟! يا بنتي ده يوسف بيه العطار بنفسه نزل الصبح بدري، وطلب مدير أمن المستشفى ومدير الشؤون القانونية في مكتبه! طرد شركة الأمن القديمة كلها عشان الإهمال، وطلب ملف سيد ده من القسم بنفسه وبيرفع عليه قضية تتبع واعتداء داخل مؤسسة طبية!»
بقيت واقفة مش مصدقة.. الراجل ده يعرفني منين عشان يعمل كل ده؟ ده أنا مجرد حكيمة شيفت ليل في الدور الرابع!
سمر قربت مني ووشوشتني: «وعلى فكرة.. طالعلك قرار ترقية مساعدة رئيسة تمريض الدور، وأمر إن شيفتاتك تبدأ من 8 الصبح لـ 4 العصر بس.. مافيش بيات تاني!»
في لحظتها، رن تليفون المكتب جنبنا.
سمر ردت: «أيوه يا فندم.. حاضر.»
بصتلي وقالت: «مريم.. يوسف بيه طالبك في مكتب الإدارة فوق.»
ركبي خبطت في بعضها تاني. أخدت نفس، وعدلت الشاطة بتاعتي وطلعت الدور الأخير.. دور الإدارة اللي طول عمرنا بنعدي من قدامه بنمشي على أطراف صوابعنا.
خبطت على باب المكتب الخشب الثقيل.
«ادخل.»
فتحت الباب. المكتب كان واخد الدور كله، واجهات زجاجية مطلة على القاهرة كلها من فوق.
يوسف كان قاعد ورا مكتب أبنوس ضخم، قدامه ملفات وقهوة مضبوطة. كان لابس قميص أبيض ومتشمر لحد كوعيه، وساعته الماركة بتلمع تحت الشمس.
أول ما شافني، حط القلم من إيده وشاورلي أقعد: «صباح الخير يا مريم. اتفضلي.»
قعدت على طرف الكرسي: «صباح النور يا يوسف بيه.. أنا.. أنا جيت أشكر حضرتك على اللي عملته امبارح، وعلى الترقية وموضوع الجراج، بس بصراحة.. أنا مش فاهمة ليه كل ده؟»
يوسف سند ظهره على الكرسي، وبصلي بتركيز نفس النظرة الرمادية الحادة بس المرة دي كان فيها دفا غريب:
«أولاً يا مريم.. الترقية دي مش مجاملة. ملفك التقيمي في المستشفى بقاله سنة ممتاز، وأنتِ أكتر واحدة بتشيلي الشفتات الصعبة ومحترمة في شغلك.»
سكت ثانية، وبعدين كمل بصوت واطي هادي:
«ثانياً.. سيد ده مش أول مرة يضايقك. بقاله شهرين بيلف حوالين المستشفى، وأنا المرة دي ما تد خلتش بالصدفة.»
عيني وسعت بالذهول: «حضرتك كنت عارف؟!»
يوسف ابتسم ابتسامة خفيفة أظهرت تجاعيد هادية جنب عينيه:
«أنا اللي بتابع كاميرات المستشفى دي من مكتبي بالليل لما بسهر لل شغل.. شفتك كذا مرة وأنتِ طالعة تعبانة ومقتولة من الشغل، وشفت نظرات الخوف اللي في عينيكي لما تلفوني ترني برقم غريب.. ولما شفته واقف جنب عربيتك امبارح من البلكونة، نزلت عشان أحط حد للمهزلة دي.»
بلعت ريقي وأنا مش مصدقة إن فيه حد كان شايف معاناتي اللي محدش حاسس بيها طول الشهرين اللي فاتوا.
يوسف وقف، ومشي لحد الشباك الكبير وهو حاطط إيده في جيبه:
«سيد أتمسك امبارح، وتحرز التليفون بتاعه، والنيابة أدت أمر بـ حبسه 15 يوم على ذمة التحقيق بتهمة التحرش والتتبع والتهديد.. والقصة دي انتهت للأبد، مش هيدخل حياتك تاني.»
التفت لي وبص في عيني بوضوح:
«من النهاردة.. أنتِ في أمان يا مريم. وفي مستشفياتي.. محدش بيمس حد من أفرادي.»
الدموع جمعت في عيني، بس المرة دي مش دموع خوف.. كانت دموع راحة، راحة بقالي سنتين ما حسيتهاش.
رديت بصوت مرتعش: «شكراً يا يوسف بيه.. بجد مش عارفة أرد أفضالك دي إزاي.»
يوسف حرك رأسه بالراحة وقال بنبرة فيها عشم خفي:
«رديها بأنك ترجعي تبتسمي وتشتغلي من غير ما تبصي وراكي.. ويا سيدي، لو مصممة تردي الجميل، القهوة بتاعة الدور الرابع عندكم بيقولوا إنها أحسن قهوة في المستشفى.. أبقى اعمليلي كوباية لما أنزل أفتش عليكي.»
طلعت من مكتب يوسف العطار وأنا حاسة إن الهواء يدخل صدري لأول مرة من سنتين.
الخوف اللي كان حابسني مات تحت جراج المستشفى.. والراجل اللي كان يراقب كل حاجة في الصمت، فتحلي باب لحياة جديدة تماماً.


