شبح في جراج المستشفى ج1 حكايات شروق خالد
حكايات شروق خالد
سيد تنح ثانية. الكلمة نزلت عليه زي المية الساقعة، بس بدل ما يفوق، عينيه حمرت والشر الخفي اللي كان مداريه طفح على وشه.
«مستحقرتاني؟ أنا يا مريم؟ بعد كل اللي عملته عشانك؟»
قبضته على دراعي زادت لدرجة حسيت إن العظم هيتكسر تحت إيده. كنت بصرخ بجسمي كله بس الشفايف مش قادرة تطلع صوت أعلى من الخشخشة.
وفجأة..
صوت خطوة جزمة جلد ثقيلة ورزينة يرن في الجراج كله.
مش خطوة جري ولا استعجال، خطوة حد صاحب مكان، حد ماشي واثق إن الأرض دي بتاعته.
«سيب إيدك من عليها.»
الصوت جه من ورا سيد، هادي، عميق، وفي نبرة أمر تقطع النفس.
سيد اتخض، التفت لورا وهو لسه ماسكني: «أنت مين يا جدع أنت؟ خليك في حالك وبلاش تدخل بين الراجل وخطيبته!»
من بين الضلمة، طلع راجل في أوائل الأربعينات. طقم بدلة كحلي متفصل بالملي، من غير كرافتة، والقميص الفاتح مفتوح منه أول زرارين. وشه حاد زي الموس، وعينيه رمادي باردة زي الحديد.
كان ماسك في إيده سيجارة طالعة منها خيط دخان رفيع، وفي الإيد التانية.. تلفونه الشاشة بتاعته منورة على كاميرات المراقبة لايف.
الراجل قرب خطوتين، وبص لسيد من فوق لتحت بنظرة تقرف:
«أولاً.. هي مش خطيبتك، البلاغ اللي اتعمل فيك الأسبوع اللي فات بيقول إن العلاقة انتهت تماماً.»
سيد بلم ولسانه اتعقد: «أنت.. أنت مين؟ ومين سمحلك تخش هنا؟»
الراجل حط السيجارة في بوقه، خد نفس هادي، ونفخه في الهواء بينه وبين سيد، وبعدين بص للسقف وقال ببساطة:
«أنا اللي بياخد الإيجار من المستشفى دي كل أول شهر.. وأنا اللي مشغل الـ 48 كاميرا اللي جابتك وأنت مستنيها جنب عربيتها من الساعة 10:35 دقيقة بالضبط.»
سيد وشه جاب ألوان، وإيده اتفكت عن دراعي بالتدريج من الصدمة. أخدت نفسي بالعافية ورجعت لورا لزقت في صاج العربية وأنا بمسك دراعي اللي بيوجعني.
الراجل بصلي بلمحة حنية خاطفة، وسألني بصوت أهدى بكثير: «أنتِ كويسة يا مريم؟»
هزيت رأسي بالعافية، ومش فاهمة هو عارف اسمي منين، لحد ما افتكرت إنه كان شايف كل حاجة من كاميرات المراقبة بالصوت والصورة.
التفت لسيد تاني، ونبرته رجعت تلج:
«قدامك 10 ثواني.. تنزل إيدك، وتلف ظهرك، وتمشي من البوابة دي. لو الدقيقة 11 جاد عليك وأنت لسه واقف على خرسانة الجراج.. المحضر اللي أنت خايف منه هيتحول للنيابة العامة الصبح ببلاغ شروع في خطف واعتداء، ومعايا فيديو بـ 4k بصوتك وأنت بتهددها.»
سيد حاول يعمل فيها شجاع، صدره اتنفخ وقال بصوت مبشورش: «أنت بتهددني في بلد القانون؟ أنا ماشي يا عم.. بس الحساب بيني وبينها مخلصش!»
لسه هيلف ظهره عشان يمشي، لقاه قدامه أربعة من أمن المستشفى، أطوال بعرض، واقفين ورا الراجل الكبارة من غير ما ينطقوا كلمة.
الراجل أخد نفس تاني من سيجارته وقال بصوت واطي:
«خذوه على مكتب الأمن تحت.. ما يخرجش إلا لما الشرطة توصل واستلموا منه إقرار بعدم التعرض.»
سيد صرخ وهو بيكتفوه: «أنت ما تعرفش أنا ابن مين! أنت هتروح في داهية!»
بس فرد الأمن كتم صوته وهو بيسحبه بره الجراج زي الفراخ.
الجراج رجع هادي تاني.. مافيش غير صوت المطر بره وصوت نفَسي العالي.
الراجل قرب مني بالراحة، وطبس جاب المفاتيح بتاعتي من على الأرض، ومسحها بفاين من جيبه واداهالي:
«آسف إنك اضطريتِ تعدي بظرف زي ده في مكان المفروض إنه أمان ليكي.»
أخدت المفاتيح وإيدي بتترعش: «شكراً لحضرتك.. أنا.. أنا مش عارفة أقول إيه. أنت مين؟»
ابتسم ابتسامة خفيفة، وشال كارت أسود مطفي من جيبه وحطه في إيدي:
«أنا يوسف العطار.. صاحب المبنى. ومن بكرة، عربيتك هتركن في جراج الإدارة فوق، والكارنيه بتاعك هيتعدل عشان ما حدش يدخل وراكي تاني.»
بصيت للكارت، وبصيتله وأنا مش مصدقة إن الكابوس اللي كان خنقني بقاله شهرين انتهى في دقائق.. بفضل راجل كان يراقب كل حاجة في الصمت.


