الرقم المجهول حكايات شروق خالد

لاحه وحراسته برة، ويدخل يقعد مع بنته وهدى في الأوضة.
في الأول كان بيقعد ساكت يراقب من بعيد، بس مع الوقت، بقى يقعد معاهُم على الأرض، يمسك السبورة البيضا ويخليهم يعلموه طريقة الحساب الجديدة.
في يوم، بعد حوالي شهرين، مراد كان قاعد في مكتبه بيراجع صفقة مالية معقدة جداً، وفيها أرقام وتشفيرات مش مظبوطة وشاك إن في اختلاس من أحد الشركاء.
طلب هدى تجيله المكتب.
دخلت هدى بوقارها وهدوءها المعتاد: “خير يا أستاذ مراد؟”
مراد حط الملفات القديمة قدامها وقالها: “المستندات دي جاية من شركة الشحن والملاحة بتاعتنا.. حاسس إن في أرقام غلط أو ملعوب فيها، بس المحاسبين عندي بيقولوا كل حاجة مظبوطة بالورق والقلم.”
هدى أخدت الملفات، وقعدت على الكرسي. طلعت قلمها الرصاص وبدأت تبص في الجدول والتشفيرات المكتوبة بتركيز شديد.
مراد كان بيبص عليها ومبهور بالهدوء والسرعة اللي عينيها بتتحرك بيها بين السطور.. دكتورة إحصاء عبقرية ضاعت سنوات من عمرها في شغلانات صغيرة بسبب الظلم.
بعد أقل من عشر دقائق، هدى رفعت رأسها وابتسمت ابتسامة خفيفة:
“المحاسبين بتوعك بيدوروا على الجمع والطرح المباشر يا أستاذ مراد.. بس اللي سرقك فاهم إحصاء كويس.”
مراد ضيّق عينيه: “إزاي؟”
هدى شاورت بالقلم على الخانات: “هو بيغير الأرقام في النسب المئوية الصغيرة بتاعة الفاقد والهالك.. بيزود 0.5% في كل شحنة، رقم ما يلفتش نظر أي محاسب تقليدي، بس على مدار السنة في حجم شغلكم، النصف في المية ده بيعمل حوالي 15 مليون جنيه بتتدفق لحساب جانبي.”
مراد اتعدل في قعدته والشرار بدأ يخرج من عينيه: “ابن الإيه!.. يعني كان ببيسرقني بقاله سنتين وأنا مش حاسس!”
هدى قفلت الملف ببرود وقالت: “المعادلة بسيطة، وتقدر تجيب من أوراق الشحن اسم الشركة الوسيطة اللي بتحول الفلوس دي.. الرقم السرّي للتلاعب محطوط في كود الشحنات.”

مراد بص لها بذهول، وبعدين قال بامتنان عميق:
“أنا مش عارف أقولك إيه يا دكتورة هدى.. أنتِ مش بس رجعتيلي ثقة بنتي في نفسها، أنتِ أنقذتيني من خيانة كانت ممكن تهد شغلي.”
هدى قامت وقفت وقالت بثقة: “ده شغلي الجديد يا أستاذ مراد.. وأنا باخد أجري عليه.”
ولما جيت تمشي وتفتح الباب، مراد نادى عليها بصوت دافي جداً مش نبرة رئيس لمرؤوسته:
“هدى..”
ست وقفت وبصتله: “نعم؟”
مراد حط إيده في جيبه وقال وهو بيبتسم من قلبه:
“سلمى النهارده الصبح، ولأول مرة من سنتين، جرت عليا وحضنتني قبل ما تنزل المدرسة وقالتلي ‘بحبك يا بابا’.. الجميل ده في رقبتي لطول العمر.”
عينين هدى لمعت بفرحة حقيقية وقالتله: “هي ما كانتش محتاجة غير إنها تحس إنها مقبولة ومش خايفة.. وأنت أديتها الأمان ده.”
ومع الأيام.. الشراكة اللي بدأت بصدفة في المطبخ بين زعيم مافيا وموظفة جرد، تحولت لقصة نجاح وحب ودفا ملأ جدران القصر اللي كان بارد وطافي، ورجعت الحياة والضحكة لقلب سلمى الصغيرة اللي اكتشفت إن أكبر حقيقة في الحساب.. إن الحب والأمان هما الرقم الوحيد اللي لما بيتضرب في أي حاجة، بيضاعف قيمتها للما لا نهاية.
#حكايات_شروق_خالد
الرقم المجهول
حكايات شروق خالد

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *