الرقم المجهول حكايات شروق خالد
مراد بص للبنت وشاف خوفها، وده وِجع قلبه أكتر من أي حاجة. حط إيده في جيبه وسأل هدى:
“وأنتِ عرفتي منين الطريقة دي؟ موظفة مخازن بتفهم في طرق التدريس وبصري وما بصريش من إمتى؟”
هدى ابتسمت ابتسامة هادية جداً وقالت:
“أنا قبل ما أشتغل هنا في جرد المخازن، كنت معيدة وباحثة في الإحصاء وتحليل البيانات المعقدة في الجامعة.. بس سيبت كل ده وعزلت من المكان بعد ظروف خاصة.”
مراد سكت لحظة، وبدأ يربط الخيوط ببعضها. افتكر الجوابات والمستندات اللي كانت بتترتب في المخزن بدقة مش طبيعية، والتقارير الشهرية بتاعة المصاريف اللي كانت بتجيله من قسم الجرد، وكانت بتبقى مظبوطة على الفكة بالظبط ومترتبة بأرقام كودية معقدة جداً.
مراد قرب من الترابيزة، وبص على السبورة الصغيرة.
“ليه كنتِ كاتبة المعادلة غلط؟”
هدى بصت لسلمى وابتسمت:
“عشان سلمى لما حد بيقولها ‘حلّي دي’، بتتخض وتخاف تغلط. بس لما تشوف حد كبير بيمثل إنه غلطان، بيبقى عندها الشجاعة والشغف إنها تصلحله الغلطة وتثبت إنها صح.. الثقة بتيجي لما تعرف إن الكل بيغلط، وأن الغلط مش معناه إنك غبي.”
الكلمات دي نزلت على مراد زي الصدمة.
هو اللي كان بيخوف كل اللي حوليه، وبيتوقع الكمال في كل حاجة، اكتشف إنه بدون ما يقصد كان بيخنق بنته ويمهت ثقتها بنفسها عشان خايفة تغلط قدامه.
مراد بصلها وسأل بجدية:
“أنتِ اسمك بالكامل إيه؟”
“هدى عبد الرحمن.”
مراد سكت. الاسم ده مش غريب عليه. قبل ما يمسك الشغل والأعمال الكبيرة، كان بيسمع عن أبحاث في الاقتصاد والتشفير المالي كاتباها دكتورة اسمها هدى عبد الرحمن، واحدة من أذكى العقول في تحليل البيانات في مصر، واختفت فجأة من كام سنة بعد ما اتعرضت لظلم وافتراء في شغلها القديم وخلوها تسيب الجامعة.
مراد بص لها بشيء من الإحترام اللي نادراً لما بيبديه لحد:
“أنتِ الدكتورة هدى اللي كانت بتعمل أبحاث التشفير والأنماط؟ وراضية تشتغلي موظفة جرد وتعدي كراتين وبضاعة في قصر؟”
هدى هزت رأسها بثبات:
“أنا راضية بريحة الهدوء والبعد عن وجع الدماغ.. الشغل مش بيقلل مني، والذكاء مش بيموت لما تعد كراتين، بالعكس.. الحساب في كل حاجة حوالينا.”
مراد اتنفس ببطء، وبعدين وّطى وقعد على الكرسي الصغير اللي جنب سلمى، لأول مرة ينزل لمستواها وبص في عينيها بهدوء:
“سلمى.. أنتِ فعلاً شاطرة في الحساب؟”
سلمى بصت لهدى الأول، وهدى هزت لها رأسها بالراحة تشجعها.
سلمى هزت رأسها وقالت بصوت واطي بس ثابت:
“أيوة يا بابا.. أنا بحب الأرقام لما أكون مع أبلة هدى، عشان مش بتزعقلي لما أغلط.”
دمعة صغيرة لمعت في عين مراد بس مسحها بسرعة، وبص لهدى وقال بقرار قاطع:
“من النهارده.. شغلك في المخازن انتهى يا دكتورة هدى.”
هدى افتكرت إنه هيطردها عشان تدخّلت، بس مراد كمل وهو بيبتسم لأول مرة من سنين:
“من النهارده أنتِ المسؤولة الأولى عن تعليم سلمى، وبجانب ده.. ماسكة إدارة تحليل البيانات المالية للقصر والشركات كلها. وراتبك هيبقى أضعاف اللي كنتِ بتاخديه.. بس بشرط.”
هدى رفعت حواجبها: “شرط إيه؟”
مراد بص لبنته اللي ابتسامتها بدأت تظهر لأول مرة:
“إنك تعلميني أنا كمان.. إزاي أخلي بنتي ما تخافش مني تاني.”
#حكايات_شروق_خالدهدى بصت لمراد بثبات وقالتله بصوت هادي:
“الموضوع مش محتاج حساب ولا معلّم يا أستاذ مراد.. الموضوع محتاج بس إنك تشيل الهيبة والشدة اللي بتعامل بيها الناس برة، وتسيبها برة باب الشقة قبل ما تدخل لسلمى. الخوف ما بيعلمش، الخوف بيبني حيطان.”
سُكوت تام ساد الخزينة لثواني.
الرجالة اللي شغالين مع مراد لو سمعوا حد بيكلمه بالطريقة دي، كانوا اترعبوا من اللي ممكن يحصله.. بس مراد هز رأسه بتفهم وقبول عجيب، وكأن الكلام جه على الجرح اللي كان بيهرب منه بقاله سنين.
من اليوم ده، كل حاجة في القصر اتغيرت.
هدى استلمت مكتبها الجديد، وبقت تقعد مع سلمى ساعتين كل يوم بعد المدرسة.
ما كانتش بتقعدها قدام كتب وكشكيل معقدة، كانت بتاخدها المطبخ تحسب مقادير الأكل، أو تنزل معاها الجنينة تعد الشجر والورد بالضرب والجمع، وبقت الحساب بالنسبة لسلمى لعبة مسلية مش بعبع بيكتبلها الفشل.
ومراد.. بدأ ينفذ كلام هدى بالحرف.
بقى يرجع من شغله بدري، يسيب س
