حماتي خبت فستان زفافي وسابت لي لبس مهرج حكايات شروق خالد

حماتي أخفت فستان زفافي وتركت لي زي مهرج مع رسالة مكتوب فيها: “اعرفي قدركِ”. لذا ارتديته، وأمسكتُ بذراع أبي، وسرتُ في الممر أمام مئتي ضيف دون أن أبكي ولو لمرة واحدة.​أخفت حماتي فستان زفافي قبل ساعة واحدة من بدء المراسم.

وكل ما تركته خلفها كان زي مهرج وأربع كلمات كُتبت بخط اليد على ورق كريمي فاخر: “اعرفي قدركِ”.كانت تراهن على أنني سأختبئ، أو أصرخ، أو أنهار تماماً. لكنها لم تكن تدرك مطلقاً ما كنت أحمله في حقيبتي اليدوية الصغيرة، أو أن ما بداخلها قادر على سلبها كل ما تملكه في ومضة عين.

ولم يكن أي شخص من المئتي ضيف المتواجدين في الأسفل يدرك حتى تلك اللحظة أنهم على وشك مشاهدة ذلك يحدث بأعينهم. أول حاجة وقعت عليها عيني في صباح يوم فرحي كانت أنف إسفنجية حمرا محطوطة بالظبط في المكان اللي مفروض تكون فيه طرحة العروسة.

كنت في التاسعة والعشرين من عمري، واقفة بروب الفندق وشعري مبلل جوه جناح العروسة في فندق كبير على كورنيش النيل بالقاهرة. كنت سيبت الأوضة لمدة أربعين دقيقة بس، دش سريع، كوباية قهوة، ومكالمة سريعة لمنسق الورد.

ولما رجعت، فستان زفافي المصمم خصيصاً كان اختفى تماماً من على المانيكان، ومحله كان معلق لبس مهرج بكشكشة ملونة بألوان قوس قزح من اللي شركات الحفلات بتأجرهم، ومعاه جزمة صفراء عملاقة، وكمان على تسريحة التواليت فوق كارت كريمي مطوي كان مستقر الأنف الأحمر المشـ,ـؤوم ده.

الكارت كان مكتوب بخط يد حاد ومائل يستحيل يتوه عني: “اعرفي قدركِ”. لمدة عشر ثواني كاملة، الصوت الوحيد في الجناح كان صوت المطر وهو بينقر على الإزاز. إشبيناتي التلاتة اتجمدوا مكانهم وابتساماتهم طارت من على وشوشهم.

جينا، إشبينتي الرئيسية، حطت كاس العصير على الطاولة بهدوء شديد لدرجة إنه مطلعش أي صوت. الهوا كان مليان ريحة زنابق ومثبت شعر وحاجة تانية خفية تحتهم. أبويا كان واقف جنب الباب ببدلته الكحلي، بيُبص على المانيكان الفاضي كأن بيته بيولع قدامه.

محمود، أبويا، عمره واحد وستين سنة، قضى تلات وأربعين سنة بيعلم فيزياء في مدرسة ثانوي، ولحد دلوقتي لابس دبوس نحاس صغير في طية بدتليه مش بيقلعه أبداً من يوم ما ماما توفت. قال بصوت خافت: “يا شروق، إنتي مش مجبرة تعملي ده كله.

” في الأسفل، مئتي ضيف كانوا قاعدين بيستنوا في القاعة المزينة بالورد. وخطيبي، زياد، كان واقف هناك، أنيق ووسيم، وعيلته بتتعامل مع الناس بطريقة متعالية كأن الفقر عيب. أمه، نادية هانم، عمرها ما سامحتني إني من بيئة عادية.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *