كانت كل
لحظات ومحدش اتحرك من مكانه..
الست الشيك كانت مبرقة ومش قادرة تنطق، والست اللي كانت واقفة عند الشجر ملامحها بان عليها السن، وبقت أرفع، وعينها فيها قسوة السنين.. بس مكنش فيه شك، دي هي!
دي أختها.. اللي الكل قال إنها اختفت، اللي العيلة مكنتش بتجيب سيرتها أبداً، واللي هي قضت سنين بتحاول تقنع نفسها إنها نسيتها.
الولد كان واقف بينهم، وماسك توكة الشعر كأنها الحاجة الوحيدة اللي رابطة الحقيقة ببعضها.
همست الست بصوت مكسور: “أنتي عايشة؟!”
الست اللي لابسة بيج قربت خطوة وقالت بوجع: “بالعافية..”
كلمة واحدة لخصت سنين من الذل والتعب. الكافيه كله سكت تماماً، حتى الناس اللي كانت بتمثل إنها مش واخدة بالها، بقوا مركزين في كل حرف.
الست الشيك هزت راسها بذهول: “لأ.. هما قالوا لي إنك هربتي.”
أختها ضحكت ضحكة وجع وقالت: “قالوا لك اللي كان لازم تصدقيه.”
الولد كان بيبص لواحدة فيهم وبعدين للتانية، مش فاهم إزاي فيه كمية الوجع والغل دي كلها في السكوت اللي بينهم. الست اللي لابسة بيج بصت لابنها ونبرة صوتها حنت: “ده ابني.. وجبته هنا عشان من حقه يعرف الحقيقة.”
عين الست الشيك نزلت على وش الولد.. وهنا شافت كل حاجة.
مش بس الشعر.. ولا العين.. شافت ضحكته وهو بيحاول يحبس دموعه، الكسرة اللي جنب بقه.. شافت ملامح أختها.. وملامح حد تاني خالص!
سألت وصوتها بيترعش: “مين أبوه؟”
أختها ماردتش على طول.. بصت في عينها مباشرة وقالت الجملة اللي شايلاها بقالها سنين: “الراجل اللي أنتي اتجوزتيه!”
الست الشيك رجعت خطوة لورا كأن حد ضربها قلم، والناس في الكافيه بدأت تهمس بصوت عالي.
“لأ.. مستحيل.. مش ممكن!”
أختها كملت: “ده حصل قبل فرحكم.. قبل ما أختفي.. قبل ما أصحابك اللي ليهم سلطة يخلوا مفيش حد يصدقني.. قالوا عليا مجنونة، وخطيرة، وكدابة.. ولما رفضت أمشي بهدوء.. خدوا مني كل حاجة.. إلا هو.” وبصت لابنها.
الست حطت إيدها على بؤها بصدمة.. كل سنين العز والشياكة والسيطرة اللي كانت عايشة فيها، كانت مبنية على عفن ووساخة.
الولد قرب منها وقال بصوت بيترعش: “ماما قالت لي إنك مش شريرة.. قالت لي إنك يمكن مكنتيش تعرفي.”
الكلمة دي كسرتها أكتر من الاتهام نفسه.. لأنها فعلاً مكنتش تعرف، كانت عايشة وسط كدب متزوق لدرجة إنه باين كأنه حب.
