فتحتُ باب شقتي القديمة برجل بتترعش من الوجع، ولقيت واد أخويا الصغير، طارق، واقف قدامي. الواد لسه مكملش عشرين سنة، إيديه كلها شحم وعينه حمرا دم من كتر العياط، كأنه كبر ميت سنة في ليلة واحدة. مد إيده وحط في إيدي لفة فلوس وهو بيقولي بصوت مخنوق: "أنا آسف يا نهى.. مجمعتش غير تمنمية وأربعين جنيه بس". زوري اتسد والدموع حشرجت في صوتي: "جبتهم منين يا طارق؟". شفايفه اترعشت وقال: "بعت عِدة الميكانيكا بتاعة جدي الله يرحمه.. عِدة السناپون اللي غالية عليه". الدنيا اسودت في عيني ومبقتش قادرة أنطق. العِدة دي مكنتش مجرد مفاتيح وشواكيش وحديد.. دي كانت مستقبل طارق كله! جدي كان سايبهاله عشان يحقق حلمه ويفتح ورشة ميكانيكا محترمة باسمه في الحتة، وأخويا الصغير باع حلمه عشان يلحق رجلي من العاهة المستديمة. راح مطلع من جيبه ورقة يانصيب مجعدة وحطها فوق الفلوس وقال بصوت واطي: "اشتريتها بالباقي اللي فضل معايا من البيعة.. يمكن ربنا يرزقنا بمعجزة تعوضنا". كنت عاوزة أترمي في حضنه وأنهار من العياط على باب الشقة، بس لما صحيت الصباح اللي بعده وبصيت على الأرقام الكسبانة في الجرنان.. مدمعتش، ومصرختش، ولا حتى عرفت آخد نَفَسي لثواني. الأرقام كلها كانت هي بالظبط! الورقة دي طلعت كسبانة اتنين مليون وأربعمية ألف دولار! قعدت متنحة في الورقة وطارق نايم جنبي على الكنبة زي القتيل من كتر الهم والتعب. مكلمتش أبويا وأمي، ولا اتصلت بـ ميرفت أختي، ولا عملت أي هليلة. كل اللي عملته إني ربطت الجبيرة على رجلي، وسندت على العكاز، ولصمت الجاكيت الميري بتاعي، وطلعت دغري على أكبر مكتب محاماة واستشارات قانونية في وسط البلد. المحامي بص على لبسي الميري المتبهدل باستخفاف في الأول، بس أول ما حطيت ورقة اليانصيب على مكتبه، عينيه طلعت لبره. #حكايات_شروق_خالد قلت له بكل برود: "عوزاك تقبض الشيك ده من غير ما اسمي يظهر في أي حتة.. وبعدها، تفتح لي ملف تحقيق ملوش أول من آخر في دفاتر وميزانيات شركات أبويا وأميا". المحامي وشه اتقلب وبص لي بتركيز: "أنتِ عارفة طلبك ده معناه إيه؟". قدمت بضهري وبصيت له في عينه: "معناه حرب". سألني وهو بيجس نبضي: "حرب ضد عيلتك برضه؟". افتكرت ضحكة ميرفت السامة وأنا بترجاهم يساعدوني.. افتكرت أمي وهي بتشرب الشربات وبتقول عليا سيكودرامية وبتلكك.. افتكرت أبويا وهو مستخسر فيا خمس تلاف دولار يلحقوا رجلي من العاهة، في نفس الوقت اللي دافع فيه مية وخمسين ألف دولار عشان يشتري يخت لأختي تتمنظر بيه قدام صحابها. وبعدها افتكرت طارق ووشه اللي مليان شحم وهو بايع عِدة جده عشان ينجدني. قلت له: "آه.. عيلتي. فتش ورا كل حساب، كل قرش داخل وخارج، كل حتة أرض، وكل ورقة ممضية. احفر وراهم لحد ما تجيب قرارهم وتطلع المستخبى كله". المحامي لسه بيسحب ملف جديد عشان يكتب ورايا، تليفون المكتب رن. رفع السماعة، سمع الكلام اللي اتقال في تلات ثواني بالظبط، ووشه خشب والحركة وقفت في جسمه. نزل السماعة بالراحة، وبص لي وعينيه بتقول كلام كتير وقال بصوت واطي: "نهى.. أنتِ لازم تسمعي المحققين بتوعنا لسه لاقيين إيه حالا في دفاتر أبوكي". #حكايات_شروق_خالد المحامي سكت تلات ثواني كأنهم سنة، ووشه اتخطف تماماً وهو بيبص لي، وقال بصوت واطي ومكتوم: "نهى.. المحققين بتوعنا وهما بيعملوا الفحص المبدئي على السجل التجاري والبطاقة الضريبية لشركات أبوكي، لقوا إن الإمبراطورية دي كلها مش باسمه أصلاً!". سندت على المكتب وسألته بذهول: "يعني إيه مش باسمه؟! أومال باسم مين؟". المحامي دور الورقة اللي قدامه ناحيتي وشاور بصباعه على خانة المالك والشركاء وقال: "باسم جِدك الله يرحمه.. والمفاجأة إن جدك قبل ما يموت من خمس سنين، كتب تنازل رسمي وموثق عن كل أملاكه، الشركات والمصانع والبيوت، وكتبها مناصفة بينك أنتِ.. وأخوكي طارق!". الدنيا لفت بيا ومبقتش سامعة صوت المحامي وهو بيكمل كلامه. المحامي قال إن أبويا وأمي زوروا إمضتي وإمضاء طارق اللي كان قاصر وقتها، وعملوا توكيلات مزيفة عشان يديروا الشركات دي ويتصرفوا في الفلوس، ويشتروا يخت لميرفت بفلوسنا إحنا! يعني أنا كنت بشحت منهم خمس تلاف دولار من حقي ومن شقا جدي عشان رجلي متتشلش، وهما عايشين ملكات بفلوسي! في اللحظة دي، الوجع اللي في رجلي اختفى وحل محله غل ونار ملهومش آخر. بصيت للمحامي وقلت له: "أنا مش عوزاك تستنى بكره.. ارفع القضايا حالا. الحجر التحفظي على كل الحسابات، وقض..ية تزوير واستيلاء، وبلاغ للنائب العام". يوم الخميس الصبح، اليوم اللي كان المفروض أعمل فيه العملية.. مروحتش المستشفى الحكومي الميري؛ المحامي جهز لي كل حاجة ودخلت أكبر مستشفى خاص في مصر وعملت العملية على نظافة بفلوس اليانصيب، وطارق كان قاعد جنبي ماسك إيدي. وفي نفس الساعات اللي كنت في العمليات، كانت الشرطة كبست على قصر أبويا وأمي. الحسابات كلها اتجمدت، وعربياتهم اتسحبت، وأمر الضبط والإحضار صدر ضد أبويا بتهمة التزوير وغسيل الأموال. بعد يومين، وأنا لسه في سرير المستشفى، الباب خبط ودخل أبويا وأمي وميرفت. كان شكلهم يصعب على الكافر؛ أبويا وشه أصفر وهدومه مبهدلة من قلة النوم بعد ما قضى ليلتين في الحجز وبقى مهدد بالسجن، وأمي بتعيط وتلطم، وميرفت واقفة وراهم زي الفرخة المبلولة بعد ما اليخت بتاعها البنك حجز عليه ومبقتش حيلتها مليم. أبويا قرب من السرير وهو بيترعش وقال بصوت مكسور: "نهى.. يبنتِ ارحمينا، إحنا أهلك! اخصمي من حقك الخمس تلاف دولار وزيادة بس اسحبي البلاغ.. أنا هتحبس يا بنتي والشركات هتضيع منا!". بصيت له بكل برود، وبصيت لأمي وميرفت اللي كانت بتقولي من يومين (خدي مسكن واتلقحي)، وقلت لهم والنبرة دي خرجت من قلب حواري مصر اللي بجد: "الخمس تلاف دولار دول كانوا تمن رجلي اللي كانت هتبوظ وأنتوا بتشربوا شربات.. والشركات دي مش هتضيع، الشركات دي رجعت لأصحابها الحقيقيين.. أنا وطارق". طارق وقف قدامهم وبص لأبويا وقال له: "أنتوا مكنتوش عيلة.. أنتوا كنتوا عصابة بتسرقنا واستخسرتوا فينا العلاج. اطلعوا بره المستشفى عشان ريحتكم بقت خانقانا". أمي صرخت وقالت: "أنتِ بتطردينا يا فاجرة؟ ده إحنا اللي عملناكم!". رديت عليها وأنا بشاور للحرس بتوع المستشفى يخرجوهم: "اللي عملنا هو جدي بعرقه وشقاه.. واللي نجدني هو أخويا اللي باع حلمه عشان أقف على رجلي. اطلعوا بره.. والقاكم في المحكمة". الحرس سحلوهم لبره قدام الدكاترة والمرضى، وأنا اتسندت لورا على المخدة، وبصيت لطارق وابتسمت وقلت له: "بكره الصبح يا بطل.. هنروح نشتري عِدة الميكانيكا بتاعة جدي تاني.. وهتفتح أكبر مركز صيانة في مصر". حكايات شروق خالد مرت تمن شهور على اليوم اللي خرجوا فيه من المستشفى وهما مكسورين العين والضهر. المحاكم مَرحمتهمش؛ قض..ية التزوير والاستيلاء كانت مقفلة من كل حتة بالمستندات والتحريات الفوديرزية اللي عملها مكتب المحاماة. أبويا أخد حكم بالحبس تلات سنين مع الشغل، وأمي أخدت سنة مع إيقاف التنفيذ عشان سنها، والشركات والمصانع كلها رجعت تحت إدارتي أنا وطارق قانونياً وبشكل كامل. قصر التجمع اللي كانوا عايشين فيه وعاملين فيه أسياد اتسحب منهم لأنه كان من ضمن أملاك جدي اللي اتزورت، واضطروا يتنقلوا يعيشوا في شقة إيجار قديمة وصغيرة في أطراف الجيزة. ميرفت أختي، اللي كانت شايفة نفسها ملكة بفلوسنا، لفت بيها الدنيا ومبقتش لاقية حد يصرف عليها بعد ما البنوك حجزت على كل المظاهر الكدابة اللي كانت عايشة فيها. في صباح يوم جمعة، الشمس كانت طالعة وصوت الأذان مالي الحتة. كنت واقفة على رجلي، من غير عكاز ومن غير جبيرة، بعد ما خفيت تماماً وبقيت بمشي أحسن من الأول. كنت واقفة في مدخل حتة أرض واسعة على أول الطريق الدائري، واليافطة الكبيرة بتتعلق فوق: **"مركز الأسطى طارق عثمان لصيانة السيارات"**. طارق كان واقف لابس العفريتة الكحلي، وإيديه مليانة شحم برضه، بس المرة دي الابتسامة كانت مالية وشه وعينه بتلمع بالفرحة. دخلت الورشة وجبت معايا لفة تقيلة، حطيتها على مكتبه. طارق بص لي باستغراب: "إيه ده يا نهى؟". ابتسمت وقلت له: "افتحها وشوف بنفسك". فك القماشة، وأول ما شاف اللي جواها دموعه نزلت.. كانت عِدة جدي "السناپون" الأصلية! فضلت ورا الميكانيكي اللي اشتراها منه ودفعت له تلات أضعاف تمنها لحد ما رجعتها تاني لصحابها. طارق مسك المفاتيح وباسها وحطها على راسه وهو بيبكي: "الله يرحمك يا جدي.. العِدة رجعت مكانها". في اللحظة دي، لقيت ميرفت داخلة من باب الورشة. كانت لأسفل حال؛ لامة شعرها لورا، ولابسة عباية سمرا بسيطة، ووشها دبلان ومفيش فيه نقطة مكياج من اللي كانت بتداري بيهم حقيقتها. قربت مني وعينيها في الأرض، وقالت بصوت واطي ومكسور: "نهى.. أنا عارفة إني ماليش عين أبص في وشك، وإني كنت نذلة معاكي.. بس أمي تعبانة ومحتاجة علاج، وأنا مش لاقية شغل، والناس كلها اتخلت عنا.. أرجوكي يا نهى، سامحينا وشغليني عندك في حسابات الشركة.. أي حاجة أعيش منها أنا وأمي". بصيت لها وجمعت كل سنين القهر والتجاهل اللي عيشتهالي، وبصيت لرجلي اللي سليمة وبتمشي، وقلت لها بنبرة هادية بس مسمعة الورشة كلها: "أنا مش هطردك يا ميرفت، لأني مش قاسية زيكم.. بس أنتِ مكانك مش في إدارة الشركات، الشركات دي ليها ناسها اللي صانوها.. لو عوزة تشتغلي، الورشة هنا محتاجة بنت بوفيه تعمل شاي وقهوة للصنايعية وتنظف المكاتب بمرتب ثابت.. وافقة؟". ميرفت بلمت، وعينيها دمعت من كتر الكسرة، وبصت للأرض وهي بتفتكر لما كانت بتقولي في التليفون (خدي مسكن واتعايشي)، ولقيت نفسها مجبرة توافق عشان لقمة العيش، وهزت راسها بالموافقة وهي بتقول: "موافقة يا نهى.. موافقة". سيبتها ودخلت مكتبي وأنا حاسة برضا ومقَام عالي ملوش حدود.. عِيلتي افتكرت إن الفلوس والنفوذ بتدوم للظالم، ومكانوش يعرفوا إن دعوة المظلوم والدم الصافي اللي زي دم أخويا طارق، قادر يهد إمبراطوريات ويبنيها من أول وجديد على نظافة. **ورقة اليانصيب الكاشفة** حكايات شروق خالد