ورقة اليانصيب الكاشفة** حكايات شروق خالد

حكايات شروق خالد
مرت تمن شهور على اليوم اللي خرجوا فيه من المستشفى وهما مكسورين العين والضهر. المحاكم مَرحمتهمش؛ قض..ية التزوير والاستيلاء كانت مقفلة من كل حتة بالمستندات والتحريات الفوديرزية اللي عملها مكتب المحاماة.
أبويا أخد حكم بالحبس تلات سنين مع الشغل، وأمي أخدت سنة مع إيقاف التنفيذ عشان سنها، والشركات والمصانع كلها رجعت تحت إدارتي أنا وطارق قانونياً وبشكل كامل. قصر التجمع اللي كانوا عايشين فيه وعاملين فيه أسياد اتسحب منهم لأنه كان من ضمن أملاك جدي اللي اتزورت، واضطروا يتنقلوا يعيشوا في شقة إيجار قديمة وصغيرة في أطراف الجيزة.
ميرفت أختي، اللي كانت شايفة نفسها ملكة بفلوسنا، لفت بيها الدنيا ومبقتش لاقية حد يصرف عليها بعد ما البنوك حجزت على كل المظاهر الكدابة اللي كانت عايشة فيها.
في صباح يوم جمعة، الشمس كانت طالعة وصوت الأذان مالي الحتة. كنت واقفة على رجلي، من غير عكاز ومن غير جبيرة، بعد ما خفيت تماماً وبقيت بمشي أحسن من الأول. كنت واقفة في مدخل حتة أرض واسعة على أول الطريق الدائري، واليافطة الكبيرة بتتعلق فوق: **”مركز الأسطى طارق عثمان لصيانة السيارات”**.
طارق كان واقف لابس العفريتة الكحلي، وإيديه مليانة شحم برضه، بس المرة دي الابتسامة كانت مالية وشه وعينه بتلمع بالفرحة. دخلت الورشة وجبت معايا لفة تقيلة، حطيتها على مكتبه.
طارق بص لي باستغراب: “إيه ده يا نهى؟”.
ابتسمت وقلت له: “افتحها وشوف بنفسك”.
فك القماشة، وأول ما شاف اللي جواها دموعه نزلت.. كانت عِدة جدي “السناپون” الأصلية! فضلت ورا الميكانيكي اللي اشتراها منه ودفعت له تلات أضعاف تمنها لحد ما رجعتها تاني لصحابها.
طارق مسك المفاتيح وباسها وحطها على راسه وهو بيبكي: “الله يرحمك يا جدي.. العِدة رجعت مكانها”.
في اللحظة دي، لقيت ميرفت داخلة من باب الورشة. كانت لأسفل حال؛ لامة شعرها لورا، ولابسة عباية سمرا بسيطة، ووشها دبلان ومفيش فيه نقطة مكياج من اللي كانت بتداري بيهم حقيقتها. قربت مني وعينيها في الأرض، وقالت بصوت واطي ومكسور: “نهى.. أنا عارفة إني ماليش عين أبص في وشك، وإني كنت نذلة معاكي.. بس أمي تعبانة ومحتاجة علاج، وأنا مش لاقية شغل، والناس كلها اتخلت عنا.. أرجوكي يا نهى، سامحينا وشغليني عندك في حسابات الشركة.. أي حاجة أعيش منها أنا وأمي”.
بصيت لها وجمعت كل سنين القهر والتجاهل اللي عيشتهالي، وبصيت لرجلي اللي سليمة وبتمشي، وقلت لها بنبرة هادية بس مسمعة الورشة كلها: “أنا مش هطردك يا ميرفت، لأني مش قاسية زيكم.. بس أنتِ مكانك مش في إدارة الشركات، الشركات دي ليها ناسها اللي صانوها.. لو عوزة تشتغلي، الورشة هنا محتاجة بنت بوفيه تعمل شاي وقهوة للصنايعية وتنظف المكاتب بمرتب ثابت.. وافقة؟”.
ميرفت بلمت، وعينيها دمعت من كتر الكسرة، وبصت للأرض وهي بتفتكر لما كانت بتقولي في التليفون (خدي مسكن واتعايشي)، ولقيت نفسها مجبرة توافق عشان لقمة العيش، وهزت راسها بالموافقة وهي بتقول: “موافقة يا نهى.. موافقة”.
سيبتها ودخلت مكتبي وأنا حاسة برضا ومقَام عالي ملوش حدود.. عِيلتي افتكرت إن الفلوس والنفوذ بتدوم للظالم، ومكانوش يعرفوا إن دعوة المظلوم والدم الصافي اللي زي دم أخويا طارق، قادر يهد إمبراطوريات ويبنيها من أول وجديد على نظافة.



