رد الاعتبار ج1 حكايات شروق خالد

ثم قالت بوضوح:
“اتعلمي الأدب… يمكن ابني يلاقي واحدة تعرف تطبخ.”

وفي الثانية التالية، سكبت الزيت فوق ظهرها عمدًا.

صرخت ياسمين من الألم وهي تسقط أرضًا.

أما أحمد… فلم يسرع لإنقاذها.

بل انحنى، أمسك بطرف قميصها المحترق، ومسح به آثار الزيت عن حذائه الجلدي، ثم قال ببرود:
“قومي… متعمليش فيلم.”

اختفى اللون من وجهه وهو يشاهد نفسه على الشاشة.

أما نعيمة، فانهارت على الكرسي وهي تردد:
“الفيديو متفبرك… والله متفبرك.”

هز الضابط رأسه.
“الفيديو تم فحصه بالفعل، وما فيهوش أي تعديل.”

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن انتهت.

فتح المستشار محمود الحقيبة الجلدية، وأخرج ملفًا سميكًا، ثم وضعه فوق الطاولة.

قال وهو ينظر مباشرة إلى أحمد:
“وده الجزء اللي هيحبسك سنين طويلة.”

ارتبك أحمد.
“إيه ده؟”

“كشف حساباتك البنكية خلال آخر ثلاث سنوات.”

تجمد مكانه.

واصل المحامي:
“كل الأموال اللي كنت بتحولها من حساب مراتك لحسابات وهمية… وكل العقود المزورة… وكل توقيع قلدته… موجود هنا.”

بدأ العرق يتصبب من جبين أحمد.

أما ياسمين، ففتحت عينيها ببطء لأول مرة منذ دخولهم.

نظرت إليه مباشرة، وقالت بصوت ضعيف لكنه ثابت:
“افتكرت إنك كسرتني… لكن الحقيقة إنك وقعت في الفخ اللي كنت بحضره لك من شهور.”

ارتعشت شفتا أحمد.

ولأول مرة منذ زواجهما… لم يجد كلمة واحدة يدافع بها عن نفسه.

وفي تلك اللحظة، دخل ممرض مسرع وهو يحمل ظرفًا مختومًا، وقال للدكتورة سارة:
“وصلت نتيجة تحليل العينة اللي طلبتيها.”

فتحت الدكتورة الظرف بسرعة، وما إن قرأت السطر الأول حتى رفعت رأسها نحو الضابط قائلة بذهول:

“لازم توقفوا أي حد يخرج من المستشفى… اكتشفنا دليلًا جديدًا، والقض*ية أخطر بكتير مما كنا متخيلين.”

#حكايات_شروق_خالد

التفت الضابط إلى الدكتورة سارة بملامح جادة وتساءل: “دكتورة، إيه اللي في التقرير بالظبط؟”
نظرت سارة إلى أحمد ونعيمة بنظرة اشمئزاز قبل أن توجّه كلامها للضابط: “تحليل الدم الشامل لياسمين أظهر وجود نسب عالية ومركّزة من مادة مخدرة وسامة تُعطى بجرعات صغيرة على مدى شهور. المادة دي بتسبب خمول تام، بطء في ردود الفعل، وبتظهر الضحية وكأنها بتعاني من اختلال توازن وهلاوس.”
اتسعت عينا ياسمين رغم التعب، وربطت الخيوط ببعضها في ثوانٍ؛ تذكرت إصرار حماتها اليومي على إعداد وجباتها الخاصة، ومنعها من تناول أي طعام من خارج البيت، وهمسات أحمد المستمرة لكل معارفهم بأن زوجته “تمر بأزمة نفسية وتتخيل أشياء لا تحدث”.
تابعت الدكتورة سارة بنبرة حاسمة: “ده مش مجرد اعتداء بالزيت المغلي لإخفاء معالم ج*ريمة تانية… دي محاولة قت/ل عمد بالسم البطيء، وتدبير مسبق لاتهامها بالجنون عشان يسهل السيطرة عليها.”
تراجع أحمد خطوة إلى الوراء، وشعر أن حبل المشنقة يلتف حول عنقه. صرخ بذعر وهو يشير إلى أمه: “أنا ماليش دعوة! هي اللي كانت بتطبخ لها وهي اللي بتعمل لها المشروبات! هي اللي قالت لي لازم نهد حيلها عشان تبطل تركيز وتوقع على التنازل من غير ما تحس!”
صُعقت نعيمة من خيانة ابنها السريعة لها، وتلاشت ملامح الكبرياء والشر من وجهها لتتحول إلى صراخ هستيري: “يا واطي! أنت اللي خططت لكل حاجة! أنت اللي قولت لي البنت دي معاها ملايين في البنك ومش عارفين نأخد منها مليم بسبب نصاحتها وقوانينها!”
أشار الضابط لزملائه ببرود: “كلبشوهم… الج*ريمة هنا بقت شروع في ق/تل مع سبق الإصرار والترصد، بالإضافة للتزوير والاعتداء.”
تقدم الشرطيان وقاموا بتقييد أيدي أحمد ونعيمة وسط صراخ الأم وتوسلات الابن التي لم تعد تجدي نفعًا. وقبل أن يخرجوا بهما من الغرفة، التفت أحمد بنظرة رجاء أخيرة نحو السرير وقال بضعف: “ياسمين.. سامحيني، أنا بحبك.”
لكن ياسمين أغلقت عينيها بهدوء، متجاهلة صوته تمامًا، بينما كان المستشار محمود يجمع أوراقه ويبتسم بثقة، مؤكدًا للضابط أنه سيتوجه فورًا للنيابة لتقديم كافّة الأدلة المالية والجنائية لتشديد العقوبة لأقصى حد.
انغلق الباب، وعاد الهدوء إلى الغرفة. اقتربت الدكتورة سارة من ياسمين، وأمسكت بيدها بلطف قائلة: “كل شيء انتهى يا ياسمين… الكابوس خلص، وحقك رجع بالكامل.”
تنفس الصعداء ملأ صدرها، ولأول مرة منذ ثلاث سنوات، شعرت ياسمين أن ألم الحروق القاسي على جسدها بدأ يهدأ، ليحل محله شعور دافئ بالانتصار والحرية، بعد أن كسبت المحامية بذكائها الق*ضية الأهم والأخطر في حياتها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *