غي حغله تخرج
فهمت فجأة كل شيء.
أسئلتها الغريبة في الأسابيع الماضية.
صمتها.
صعودها إلى العلية.
الصندوق القديم الذي وجدته هناك.
والطريقة التي كانت تنظر بها إليّ وكأنها تخشى أن تسألني سؤالًا لا تعرف إن كنت مستعدًا لسماعه.
قال عماد:
«ليان هي التي وجدت الرسالة الأخرى.»
شهقت.
وضعت يدي على فمي.
واصل:
«وجدتها في صندوق قديم في العلية، تحت بطانية طفولتها وبعض متعلقات ولادتها.»
ثم أخرج ورقة صغيرة أخرى من الظرف.
«وكانت أمها قد كتبت عليها جملة واحدة.»
نظر إلى ليان.
ثم قرأ:
«عندما تكبرين، اطلبي منه أن يقف إلى جوارك… وأعيديه إلى عائلته.»
انهارت ليان بالبكاء.
أما أنا، فلم أستطع الحركة.
ثمانية عشر عامًا.
ثمانية عشر عامًا وأنا أظن أنني أعرف كل شيء عن عائلتي.
ثم اكتشفت في يوم واحد أن لي أخًا، وأن زوجتي كانت تعرفه، وأنها تركت لي سرًا لم أكن أعرف حتى أنني أبحث عنه.
لكن أكثر ما حطمني لم يكن ذلك.
بل السطر التالي.
رفع عماد الرسالة، وقال:
«زوجي العزيز… لم أرد أن أخبرك عنه وأنا على وشك الموت، لأنني كنت أعرف أنك ستشعر أنك فقدتني وفقدت جزءًا من حياتك في اللحظة نفسها. أردتك أن تمنح ليان كل ما لديك أولًا.»
ارتجفت شفتاي.
ثم تابع:
«لم أرد أن تستيقظ كل صباح وتنظر إلى ابنتنا فتشعر أن عليك أن تبحث عن شيء آخر ينقصها. كنت أريدك أن تعرف أنها تكفيك، وأنها لم تكن بحاجة إلى أن تحل محل أحد.»
انهمرت دموعي.
واصل عماد:
«أما الآن، فقد كبرت ابنتنا، وأصبحت قادرة على أن تفهم أن العائلة لا تنقص حين نضيف إليها شخصًا جديدًا.»
رفع عماد عينيه نحوي.
«قالت لي إنني هديتها الأخيرة لك.»
شعرت بأن دموعي انهمرت أخيرًا.
لم أعد أستطيع أن أبقى جالسًا.
نهضت.
خطوت نحو الملعب.
كانت كل الأنظار تتبعني، لكنني لم أعد أرى أحدًا.
كنت أرى عماد فقط.
الرجل الذي وقف أمامي كل صباح طوال سنوات دراستي.
الرجل الذي حياني في ممرات المدرسة.
الرجل الذي حضر حفلات ابنتي.
الرجل الذي كان قريبًا مني طوال ثمانية عشر عامًا…
وكان أخي.
وصلت إلى أمامه وتوقفت.
نظر إليّ، ولم يقل شيئًا.
سألته بصوت مكسور:
«هل هذا صحيح؟»
أومأ مرة واحدة.
وقال:
«لم أرد أن آخذ منك شيئًا.»
ثم ابتلع دموعه وأضاف:
«كنت أريد فقط أن أراك تكبر… ثم رأيتها تكبر.»
نظرت إلى ليان.
ثم عدت إليه.
وفي تلك اللحظة، لم أعد أفكر في السنوات التي ضاعت.

