شروق خالد ج 1
النار مش بتفرق بين حد وحد. بتحرق الخشب والطوب واللحمة بنفس القسوة.
لما سماح سحبت ست عجوز من بيت مولع، ماكانتش تعرف إنها بتنقذ أم أخطر راجل في المنطقة من الموت.
هي كل اللي كانت عايزاه إنها تروح بيتها.
لكن إنك تنقذ أم راجل زي ده، مش حاجة تعملها وتمشي كأن مفيش حاجة حصلت.
سماح ماكانتتش بتؤمن بالحظ، ولا بالصدف، ولا إن ربنا بيحط الإنسان في المكان الصح في الوقت الصح.
هي كانت مؤمنة بحاجة واحدة بس…
الإيجار اللي متأخر عليها، والتعب اللي كان مالي جسمها بعد شيفت 12 ساعة في المطعم، والمواصلات اللي عمرها ما بتيجي في معادها.
كانت الساعة اتنين وربع بعد نص الليل.
المطر كان بينزل ساقعة، والشارع كله غرقان مية، والجو بارد لدرجة إن العضم نفسه كان بيرتعش.
سماح كانت ماشية وراسها في الأرض، وإيديها مدفونين في جيوب الجاكيت القديم اللي اشترته مستعمل.
رجليها كانت بتوجعها.
وعينيها كانت تقفل من النوم.
عقلها ماكانش فيه غير إنها عايزة توصل لشقتها، ترمي نفسها على السرير وتنام.
لكن فجأة…
وقفت.
شمّت ريحة غريبة.
ريحة بلاستيك محروق…
وحاجة تانية شبه البنزين.
بصت قدامها.
على بُعد نص الشارع، كان فيه بيت قديم تلات أدوار، والدخان الأسود طالع منه بكثافة.
ومن ورا الشبابيك كان باين لون النار الأحمر.
النار كانت بتاكل في البيت كأنها عايزة تبلعه كله.
الشارع كان شبه فاضي.
مفيش حد بيصرخ.
مفيش حد بيجري.
ولا حتى عربية مطافي ظهرت.
سماح طلعت موبايلها بسرعة واتصلت بالطوارئ.
ألو… في حريق! بسرعة، البيت بيولع والنار بتنتشر!
ادّتهم العنوان.
جالها الرد
عربية المطافي في الطريق. ابعدي عن المكان وما تقربيش من المبنى.
سماح قفلت.
وفعلًا…
كانت ناوية تمشي.
هي عندها 26 سنة.
بتشتغل علشان تعيش.
مش بطلة.
ومش معاها تدريب إنقاذ.
ولا فلوس تعالج نفسها لو حصلها حاجة.
رجعت خطوة.
وبعدين خطوة تانية.
وفجأة…
شباك الدور التاني اتكسر.
الزجاج طار في كل اتجاه ونزل على الرصيف.
سماح اتخضت.
لكن اللي خلى قلبها يقف…
إنها سمعت كحة.
كحة ضعيفة جدًا.
وبعدها صوت ست كبيرة بتصرخ
الحقوني…
الصوت اختفى وسط صوت النار.
سماح اتجمدت مكانها.
ثواني معدودة مرت.
كان ممكن تمشي.
كان ممكن تقول المطافي جاية.
كان ممكن تنقذ نفسها.
لكن رجليها اتحركت لوحدها.
جريت ناحية البيت.
طلعت السلم بسرعة، درجتين في كل خطوة.
مسكت الباب الأمامي.
مقفول.
خبطت عليه.
ولا فايدة.
ركلته برجليها.
الخشب كان أقوى منها.
بصت حواليها.
ولقت أصيص زرع كبير من الفخار جنب الباب.
مسكته بكل قوتها.
ورمته في إزاز الباب.
اتكسر.
دخلت إيدها من الفتحة.
الزجاج قطع كم الجاكيت وجرح دراعها.
لكنها ماوقفتش.
إيدها وصلت للمزلاج.
لفته.
الباب اتفتح.
وفي اللحظة دي…
النار ضربتها في وشها.
حرارة مرعبة.
دخان أسود تقيل.
سماح كحت بعنف، وشدت ياقة الجاكيت على بوقها.
نزلت على الأرض وبدأت تزحف.
صرخت
يا طنط!
مفيش رد.
يا طنط… إنتِ فين؟!
سمعت صوت ضعيف من فوق
هنا…
سماح رفعت راسها.
طلعت السلم.
كل خطوة كانت بتوجعها.
الخشب كان سخن.
والدخان كان بيخنقها.
لكنها كملت.
لحد ما وصلت للدور التاني.
وهناك شافتها.
ست كبيرة قاعدة جنب الحيطة.
شعرها أبيض، وهدومها متبهدلة، ووشها كله سخام.
كانت بتكح ومش قادرة تاخد نفسها.
سماح جريت عليها.
خلاص يا طنط… أنا معاكي.
مسكتها من تحت دراعاتها.
الست كانت ضعيفة، لكن جسمها كان تقيل من الخوف والإرهاق.
قالت الست وهي بتنهج
ابني…
ابنك إيه؟
هيزعل…
سماح بصتلها باستغراب.
يزعل بعدين! دلوقتي لازم نخرج.
حطت دراع الست حوالين رقبتها.
وشالتها.
النار كانت بتقرب.
الحيطان سخنت.
والسقف بدأ يطلع منه صوت تكسير.
سماح بدأت تنزل السلم.
وفجأة رجلها زحلقت.
وقعت على ركبتها.
صرخت من الوجع.
لكنها ما سابتش الست.
شدتها تاني.
وقالت وهي بتنهج
استحملي يا طنط… قربنا.
وصلوا تحت.
النار كانت دخلت الصالة.
اللهب كان ماشي فوق السقف.
الدخان مغطي كل حاجة.
سماح شدت الست بكل قوتها.
خرجت بيها من الباب.
نزلت السلم.
وأول ما وصلت الرصيف…
وقعت على الأرض.
المطر الساقع نزل على وشها.
ولأول مرة من كام دقيقة…
حست إنها بتتنفس.
كانت بتاخد نفسها بالعافية.
إيديها كانت محروقة.
ركبتها بتوجعها.
لكن الست اللي جنبها كانت عايشة.
وبعد ثواني…
سمعوا صوت عربيات المطافي.
الشارع اتملى نور أحمر وأبيض.
رجالة المطافي نزلوا بسرعة.
والمسعفين جريوا ناحية الست.
واحد منهم نزل جنبها.
إحنا معاها.
وبص لسماح.
إنتِ اللي طلعتيها؟
هزت راسها.
كانت فوق…
قال لها
إنتِ كمان لازم تتكشفي.
سماح بصت لإيديها.
جلد صوابعها كان محمر وبدأ يطلع فيه فقاقيع.
لكنها قالت
أنا كويسة.
وقامت.
قبل ما حد يسألها أي سؤال…
مشيت.
دخلت الحارة اللي جنب البيت.
واختفت وسط المطر.
من غير ما تعرف إنها كانت لسه منقذة حياة أم أخطر رجل في المنطقة.
بعد ساعات…
كان المعلم رضوان واقف وسط خراب البيت.
المعلم رضوان كان اسمه لوحده كفاية يخلي ناس كتير تنزل عينيها في الأرض.
راجل كبير، جسمه ضخم، وكلمته مسموعة في المنطقة كلها.
لكن ابنه…
حسن رضوان…
كان حاجة تانية خالص.
حسن ماكانش مجرد معلم.
كان الراجل اللي محدش بيحب يقف قصاده.
اللي يعاديه بيختفي من المنطقة.
واللي يحاول يمد إيده على حد من أهله…
بيكون بيحكم على نفسه بنفسه.
وكان واقف دلوقتي وسط البيت المحروق، لابس بدلة سودا، ووشه جامد.
بص للحيطة السودا.
وبعدين للأرضية اللي انهارت.
وسأل
أمي فين؟
رد فرج، أقرب رجاله ليه
في المستشفى.
حسن لف له.
حالها؟
مستقرة. الدكاترة قالوا إنها هتعيش.
حسن سكت.
ولأول مرة، عينه بان فيها خوف حقيقي.
أمه كانت أغلى حاجة عنده.
قال
مين عمل كده؟
فرج قرب منه.
الحريق متعمد. البنزين اتصب حوالين البيت.
حسن قبض إيده.
مين؟
فرج اتردد.
ناس المعلم شوقي.
حسن رفع عينه.
الصمت وقع في المكان.
وبعدين قال بصوت هادي بشكل يخوف
هما دخلوا أمي في الموضوع؟
فرج هز راسه.
أيوه.
حسن ابتسم ابتسامة صغيرة من غير أي فرحة.
يبقى هما اختاروا نهايتهم.
لكن فرج قال بسرعة
في حاجة تانية.
حسن بص له.
إيه؟
أمك ماخرجتش لوحدها.
حسن سكت.
يعني إيه؟
واحدة دخلت البيت.
واحدة؟
بنت.
حسن قرب خطوة.
اسمها؟
مانعرفش.
شكلها؟
بنت في العشرينات… شعرها غامق… لابسة جاكيت قديم.
حسن بص للسلم المحروق.
ودخلت جوه وهي عارفة إن البيت هيقع؟
أيوه.
وطلعت أمي؟
أيوه.
حسن سكت فترة طويلة.
وبعدين قال
هاتولي البنت دي.
فرج قال
يا معلم، ممكن تكون بنت غلبانة شافت الحريق ودخلت تنقذها.
حسن بص له.
ممكن.
وبعدين صوته بقى أهدى.
وممكن تكون لعبة من شوقي.
لو كانت مجرد بنت غلبانة؟
حسن رد من غير تردد
برضه هاتها.
ليه؟
حسن بص للبيت المحروق.
علشان أعرف مين اللي خاطر بحياته علشان أمي.
تاني يوم…
وصل الملف.
اسمها سماح عبدالسلام.
26 سنة.
ساكنة لوحدها في شقة صغيرة فوق السطوح.
بتشتغل في مطعم شعبي.
مرتبها على قدها.
مفيش ليها سوابق.
مفيش علاقات مع حد خطر.
ومفيش أي سبب يخليها تدخل حرب حسن رضوان.
فرج حط الملف قدامه.
وقال
دي بنت غلبانة يا معلم.
حسن فتح الصورة.
بص لوش سماح.
وشها كان بسيط.
عينيها فيها تعب.
لكن كان فيها حاجة تانية…
إصرار.
قال فرج
بعد الحريق راحت تشتغل.
حسن رفع عينه.
اشتغلت وهي إيديها محروقة؟
أيوه.
وبعدين؟
وقعت منها صينية، ومديرها طردها.
حسن سكت.
راحت الصيدلية اشترت علاج للحروق.
ودلوقتي؟
في بيتها.
حسن قفل الملف.
جهز العربية.
فرج استغرب.
رايح فين؟
حسن لبس الجاكيت.
هروح أشوف الست اللي أنقذت أمي.
لو هي بريئة؟
حسن فتح باب العربية.
وقال
ساعتها هنعرف نشكرها.
وسكت لحظة.
ولو حد مستخدمها؟
عينيه بقت باردة.
ساعتها هنعرف مين وراها.
في نفس الوقت…
كانت سماح قاعدة على طرف سريرها القديم.
إيديها محروقة.
ركبتها متورمة.
وحلقها بيوجعها من الدخان.
الشقة كانت صغيرة وفقيرة.
سرير.
دولاب قديم.
بوتاجاز صغير.
وشباك واحد.
حطت كريم على إيديها.
وهمست لنفسها
أنا عملت إيه في نفسي؟
دموعها نزلت.
الإيجار متأخر.
الشغل ضاع.
والفلوس خلصت.
وكان كل ده علشان ست ما تعرفهاش.
وفجأة…
دق…
دق…
دق…
سماح رفعت راسها.
الخبط اتكرر.
دق…
دق…
دق…
قامت بصعوبة.
مين؟
جالها صوت راجل غريب من ورا الباب
سماح عبدالسلام؟
قلبها بدأ يدق بسرعة.
أيوه.
افتحي الباب.
سماح رجعت خطوة.
إنت مين؟
إحنا جايين نتكلم معاكي.
في إيه؟
الصوت كان هادي…
لكن وراه قوة تخوف.
إنتِ اللي أنقذتي الست من الحريق امبارح.
سماح سكتت.
وبعدين قالت
أنا ماليش دعوة بأي حاجة.
الصوت رد
إحنا عارفين.
طب عايزين إيه؟
سكت الرجل ثواني.
وبعدين قال
ابن الست اللي أنقذتيها عايز يشوفك.
سماح قالت بخوف
أنا مش هفتح.
الرجل رد
إنتِ مش فاهمة.
ابنها مش شخص عادي.
سماح بلعت ريقها.
مين هو؟
وفي اللحظة دي…
صوت خطوات تقيلة قربت من الباب.
والرجل اللي برا اتحرك على جنب.
وسمعت سماح صوت راجل تاني…
أعمق…
وأهدى…
لكن مجرد سماعه خلى قلبها يدق أسرع.
أنا حسن رضوان.
والست اللي أنقذتيها…
أمي.
سماح فضلت ساكتة.
وبعدين سمعت صوته يقول
افتحي الباب يا سماح.
أنا مش جاي أأذيكي.
سكت لحظة.
أنا جاي أقولك كلمة واحدة…
إنتِ من النهارده بقيتي مسؤوليتي.
وسماح ماكنتش




