بنت الأصول حكايات شروق خالد

شلتها وقعدتها على المكتب الضخم: “إنتي مش بس شاطرة يا ميّ.. إنتي وش الخير عليا وعلى البيت ده كله. ومن النهاردة، مصاريف تعليمك وتعليم أختك لحد ما تتخرجوا من أكبر جامعات في مصر.. دي عليّا أنا، وده وعد الجبالي.”
صباح دخلت من الباب وهي شايلة صينية الشاي السخنة، والدموع في عينيها من الفرحة، وبدأت تدعيلي دعوات تفتح أبواب السماء.
وقفنا كلنا عند شباك المكتب الكبيرة، وبصيت على الشمس وهي بطالع بتنور القاهرة كلها، وحسيت براحة مالهاش أخر.. عرفت إن الجدعنة والخير اللي بتزرعه في ضعيف، ربنا بيردهولك أضعاف مضاعفة في وقت أنت ما تتوقعهوش، وأن الستر والأمان هما الأعظم من كل ثروات الدنيا.
#حكايات_شروق_خالدمرت الأيام والسنين ورا بعضها، وميّ وأختها بيكبروا قدام عيني في عز وأمان. البت اللي كانت شايلة أختها على ضهرها وبتمسح خشب المكتب بدموعها، بقت صبية شاطرة في كلية الطب، وأختها الصغيرينة دخلت ثانوي بمجموع يرفع الراس.
صباح كبرت في السن وبقت هي بركة القصر والست الكبيرة فيه، كلمتها مطاعة ورأيها مسموع من الكبير قبل الصغير. وأنا، كل ما يبان الشيب في شعري وفي ذقني، أحس إن ربنا كافأني بالبيت ده وبالعيلة دي عن كل قسوة شفتها في الشارع زمان.
في يوم الجمعة، بعد الصلاة، كنا ملتمين كلنا على سفرة واحدة في جنينة القصر. الشمس دافية والهواء رد الروح، وميّ قاعدة جنبي بتوريني أبحاثها في الكلية، وبتحكيلي عن حلمها إنها تفتح مستشفى كبير للغلابة.
بصيت لها وابتسمت من قلبي: “المستشفى دي هتبتدي تتَبنى من بكره يا دكتورة ميّ.. وعلى أرض الجبالي في بولاق، عشان الغلبان يدخلها ويطلع منها عزيز نفس، ما يدفعش مليم ولا يتذل لحد.”
دموع الفرحة لمعت في عينين ميّ، وقامت باست رأسي وإيدي قدام أمها وأختها: “ربنا يخليك لينا يا عمو رضوان.. أنت مش بس حميتنا، أنت بنيت حياتنا من جديد.”
بصيت للسماء وأنا حاسس براحة ونقاء ما يتوصفوش. افتكرت الليلة إياها، يوم ما دخلت القصر في نص الليل وكنت فاكر إن العزابة والهيبة في السلاح والفلوس وبس.. وعرفت إن العز الحقيقي هو إنك تكون أمان للخايف، وسند للضعيف، وأن الجدعنة اللي بتزرعها في القلوب بتفضل عايشة وبتطمر، حتى بعد ما السنين تفوت والأيام تتغير.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *