بنت الأصول حكايات شروق خالد
الساعة كانت واحدة وسبعة وأربعين دقيقة بعد أنصاف الليالي لما دخلت القصر، وكنت فاكر إني هلاقي البيت هادي وساكت زي القبور، بس اتفاجئت ببت صغيرة عندها ست سنين بتتكتك وتنظف مكتبي الخاص، وشايلة أختها الرضيعة على ضهرها. كنت لسه بتساءل بيني وبين نفسي هي أمها راحت فين وسابتها كده، لحد ما البت بصلت فجأة للمكتبة اللي ورايا وهمست بصوت يقتف الدم: “عمو.. هي الست اللي بتعيط دي عايشة جوة الحيطة ليه؟”
أنا اسمي رضوان الجبالي، وعندي ثمانية وثلاثين سنة، ومسكّن اسمي في السوق كواحد من أتقل وأعتى معلمين المنطقة واللي كلمتهم سيف. الليلة دي، كنت راجع القصر بعد ما قضيت ساعات طوال مع ثلاثة من المعلمين الكبار كانوا فاكرين إنهم يقدروا يرجعوا في كلمتهم معايا أو يلعبوا من ورا ضهري.
كل اللي كنت محتاجه ساعة زمن هدوء واحدة قبل الفجر.
بس أول ما دخلت، سمعت صوت مكنسة شغالة فوق.
محدش بيجرؤ يدخل مكتبي الخاص من غير إذني. طلعت السلم الخلفي بالراحة ومن غير صوت، ورا إيقاع المكنسة المتلخبط اللي كان يرن في القصر الساكن.
في الدور الثاني، وعديت من قدام أوضة الكشف الطبية الصغير، ولمحت بابها موارب سنة وشعاع نور طالع منه للممر. فيه حاجة خلتني أبطئ خطوتي، بس صوت المكنسة اشتغل تاني فوقي.
كملت طلوع.
باب مكتبي كان مفتوح النص.
جوة، كانت ميّ، البت الصغيرة ابنة صباح، بتمسح الخشب بتاع مكتبي الضخم.
عرفتها على طول، دي ابنة صباح اللي شغالة عندي بتخدم في البيت بقالها ثمان سنين. صوابع ميّ الصغيرة كانت محمرة من المية الساقعة، وكانت بتقف على أطراف صوابع رجليها عشان تطول العرض بتاع المكتب.
وبعدين لمحت اللي مربوط على ضهرها.
أختها الصغيرينة، اللي عندها يجي سنة وشهرين، كانت نايمة جوة شال قطن أزرق دبلان من بتوع الشغالين، وإيدها الصغيرينة المضمومة جنب خدها. ميّ كانت رابطة البت على ضهرها بعناية وحرص يخوف، لدرجة إن الرضيعة ما كانتش بتهتز وهي شغالّة.
هي صباح فين؟
ميّ نزلت على الأرض ومسكت المكنسة الكبيرة بإيديها الاثنين. المكنسة كانت تقريباً قدها، ولما حاولت تزقها، ما اتحركتش.
زقت حيلها أكتر.
الرضيعة اتهزت.
ميّ وقفت في ثانية، ومدت إيدها لورا تتأكد من العُقدة قبل ما تحاول تاني.
أنا شفت رجالة بشوارب بيترعبوا قدام السلاح، وما شفتش فيهم الثبات والعزيمة اللي عند البت دي.
وفجأة، سمعت ميّ بتهمس لأختها النايمة:
“لازم نخلص بسرعة قبل ما المعلم رضوان يرجع.”
اتسمرت مكاني.
“لو أمي اتطردت من الشغلانة دي، مش هنلاقي حتة ننام فيها.”
فيه حاجة جوة صدري وجعتني.
صباح شغالّة تحت سقفي بقالها ثمان سنين، وكنت عاوز اعرف مين اللي فهم بت عندها ست سنين إن أوضة مش متنظفة ممكن ترمي عيلتها في الشارع.
بصيت ناحية الممر وتذكرت النور اللي طالع من تحت باب أوضة الكشف.
وبعدين خطوت خطوة لقدام.
ميّ وقفت فجأة.
ما كانتش بتبصلي أنا.
كانت مبصصة على الحيطة الغربية، حيث المكتبة الخشب الضخمة اللي واصلة لحد السقف.
ملامح وشها اتغيرت.
مش خوف.
دي كانت عارفة الصوت.
سكنت وبصيت.
مفيش حاجة.
غير صوت الخبط الخفيف بتاع المطر على الإزاز وصوت الدفاية.
بس ميّ كانت سامعة حاجة.
جزمتي خبطت في لوح خشب مخلوع في الأرضية.
تكتكة.
في ثانية وشها اتلف ناحيتي.
ما صرختش.
اتسمرت مكانها زي الصنم، وقطرات المية بتنزل من حتة القماشة المبلولة بين صوابعها، وأختها لسه نايمة على ضهرها.
مشيت بالراحة عبر الأوضة وطفيّت المكنسة.
السكوت بقى تقيل قوي في المكان.
وبعدين قعدت على السجادة لحد ما عينيا بقت في مستوى عينيها.
“أمك فين يا ميّ؟”
ما ردتش.
وبدال ما ترد، بصت من فوق كتفي.
ناحية المكتبة.



