بنت الأصول حكايات شروق خالد

تبعت نظرتها، بس ما شفتش غير الرفوف والكتب القديمة والحيطة اللي وراهم.
“ميّ؟”
رفعت صباعها الصغير وشاورت بيه ناحية المكتبة.
وبعدين بصت في عيني على طول.
اللي همست بيه بعد كده صحى كل شرارة وحاسة اتعلمتها على مدار عشرين سنة في الشارع وسوق المعلمين.
قالتلي: “عمو رضوان.. هي الست اللي بتعيط دي عايشة جوة الحيطة ليه؟”
نفسي اتقطع.
لأن كان فيه سر مستحيل ميّ تكون تعرفه.
كان فيه أوضة سرية مقفولة مستخبية ورا المكتبة دي.
ومحدش برة عيلتي كان المفروض يعرف إنها موجودة أساساً.
الدم اتجمد في عروقي، ورجعت بضهري خطوة لورا وأنا باصص لعيون البت الصغيرة. “الأوضة السرية اللي ورا المكتبة دي ما حدش يعرف مكانها غيري أنا وأخويا توفيق الله يرحمه.. ومحدش دخلها من خمس سنين!”
نزلت على ركبتي قدام ميّ، ومسكت كتفها الصغير بالراحة عشان ما أخوفهاش، وسألتها بصوت واطي ومبحوح: “ميّ.. إنتي سمعتي الصوت ده إمتى بالظبط؟ ورأيتي حد دخل هنا؟”
البت شاورت بصباعها الترعش ناحية الممر بره، وقالت بصوت خافت: “النهاردة الصبح.. لما أمي كانت بتمسح الصالة، جه الراجل العريان اللي بيمشي بشويش، وحط إيده على بق أمي وسحلها على الأوضة اللي في الدور الثاني.. وبعدين طلع هنا معاه راجل تاني، وسمعت خبط ورزع ورا الحيطة دي، وصوت ست بتصرخ وتعيط بس صوتها مكتوم.”
أول ما قالت “الراجل العريان اللي بيمشي بشويش”، عقلي طار في ثانية. ده عبد الله “الأبرص”.. الدراع اليمين لمراد العزيزي، أكبر منافس ليا في السوق، والراجل اللي بايع نفسه للشيطان!
في ثانية ربطت الخيوط ببعضها.. النور الموارب تحت باب أوضة الكشف الطبية في الدور الثاني، اختفاء صباح الشغالة، والبت اللي سايبينها بتنظف عشان ما تشكش في حاجة! الأوباش دول دخلوا بيتي وغفلوا الحراسة، واستغلوا الأوضة السرية عشان يخفوا فيها ملعوبهم!
قمت وقفت زي الأسد الجريح، وشدت طبنجتي المكبوسة من تحت الفيست. بصيت لميّ وقلت بصرامة ودفا في نفس الوقت: “استبينا يا ميّ.. انزلي اقعدي في الكشك بتاع الحراسة تحت، وقولي لأبو علي الحارس يقفل البوابة وما يخليش دبانة تخش.. أمك راجعة لك الليلة دي، وحقها هيجي لحد عندها.”
الابتسامة رجعت لوش البت، وهزت رأسها وجريت على السلم وأختها ملفوفة على ضهرها.
أنا لفيت للمكتبة، مسكت المجلد القديم بتاع “كتاب الأصول” على الرف الثالث، وشدته لبره.. الصوت المعدني رن في الأوضة، والمكتبة الضخمة اتحركت على السكة الحديد المستخبية في الأرض، وشق ضلمة اتفتح وراها.
سحبت أجزاء الطبنجة ببطء، وخطوت جوة الممر الضيق والمظلم وأنا حاسس بريحة الرطوبة والدم. الممر كان نازل على سلم حلزوني نازل تحت الأرض.
كل خطوة كنت بخطيها، صوت العياط المكتوم كان بيوضح اكتر.. وصوت رجالي خشن بيضحك بشر: “قولي للمعلم رضوان لما يجي يلاقيكي إن العزيزي هو اللي بيعلم عليه في بيته!”
دبيتي بالجزمة على آخر درجة كانت زي صاعقة نزل عليهم.. عبد الله الأبرص وواحد تاني من رجالة العزيزي اتسمروا مكانهم، وصباح الشغالة كانت مربوطة في الكرسي في زاوية الأوضة، ووشها مليان دم ومضروبة.
“رضوان الجبالي?!” عبد الله صرخ بذهول وهو بيمد إيده يطول طبنجته.
قبل ما صباعه يلمس الزناد، كنت طالع بثبات ورصاصتي الأولى لبست في كتفه وطيرت السلاح من إيده، والرصاصة الثانية نزلت في رجل الراجل الثاني خلته يقع يصرخ على الأرض.
قربت من عبد الله الأبرص، ومسكته من زمرقته ورفعته لفوق، وحطيت ماسورة الطبنجة بين عينيه: “دخلت بيتي يا عبد الله؟ وعلمت على نسوان بتخدم عندي في حمايتي؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *