زبالة الفندق والظرف الملعون ج2 .حكايات شروق خالد
أحمد فتح باب العربية وركّب نور الكرسي اللي جنبه، ولفّ الحزام عليها بالراحة وهو بيترجاها: «قوليلي الطريق يا نور.. نوصل إزاي لماما؟»
نور شاور بصباعها الصغير وهي بتترعش: «اطلع على الشارع الكبير، وبعدين انزل تحت الكوبري عند منطقة الورش.»
أحمد داس بنزين بكل قوته، العربية طارت بيه في شوارع القاهرة المبلولة. المطر كان بيضرب في الإزاز، وقلبه كان بيدق أسرع من مساحات العربية. كان حاسس إن كل ثانية بتعدي هي سباق بين الحياة والموت.. تلات سنين مريم عايشة بقلب مريض ومكسور، بتغسل أطباق وتنضف مكاتب بالليل عشان تأكل نور، وهي عارفة إن أيامها في الدنيا معدودة.
بعد ربع ساعة، العربية دخلت حارة ضيقة ومظلمة تحت الكوبري. حارة بيوتها قديمة وريحة الرطوبة طالعة منها.
نور شاورت على بيت طوب أحمر متهالك: «هنا يا بابا.. البيت ده، ننزل السلم اللي ورا.»
أحمد نزل من العربية وشال نور على كتافه، ونزل السلم الضيق اللي ينزل للبدورم. المية كانت متجمعة عند الباب، والحيطان فعلاً سودة ومقشرة من الرطوبة زي ما نور قالت.
أحمد خبط على الباب الصاج الخشب المتهالك بكف إيده وهو بينادي بصوت مخنوق: «مريم! مريم افتحي يا مريم!»
ما كانش فيه أي صوت من جوة.
خبط تاني وتالت أقوى، لحد ما الباب اتفتك. أحمد زق الباب ودخل.
المكان كان عبارة عن أوضة واحدة صغيرة، فيها سرير قديم ولمبة سهاري سهتانة. على السرير، كانت مريم نايمة، غرقانة في وعكة صحية شديدة، وشها شاحب زي الورق، وشفايفها أزرق من قلة الأكسجين والتعب.
أحمد أخد خطوتين، ورجليه مكنتش شايلاه. نزل على ركبتيه جنب السرير ومسك إيدها المبلولة من العرق: «مريم.. قومي يا مريم.. أنا أحمد.»
مريم فتحت عينيها بالبطيء، كانت فاكرة إنها بتحلم أو بتهلوس من السخونية. بصت له بذهول، وبعدين بصت لنور اللي جرت عليها وحضنتها: «بابا جه يا ماما.. بابا هو اللي بيجيبلي الأكل.»
دمعة نزلت من عين مريم المجهدة، وقالت بصوت متقطع وواطي جداً: «أحمد؟.. انت جيت ليه؟ أمك هيقت..لوك.. هيتاخدوا بنتي مني..»
أحمد مسك إيدها وباسها بدموع حارة: «محدش يقدر يلمس شعرة منك ولا من نور تاني. أنا عرفت كل حاجة.. عرفت اللعبة الملعونة اللي أمي عملتها. سامحيني يا مريم.. سامحيني إني صدقتها وسبتك كل ده!»
مريم هزت رأسها بالراحة وهي بتتنفس بصعوبة: «أنا مش زعلانة منك.. أنا بس كنت خايفة على نور.. قلبك الأبيض هو اللي خلاك تصدقها.»
أحمد ما ضيعش ثانية واحدة. لفّ مريم في بطانية دافية وشالها بين إيديه، ومسك إيد نور: «يلا بينا.. من النهاردة مفيش نوم في بدورمات ولا تعب تاني.»
طلع بيهم على أكبر مستشفى استثماري في القاهرة. أول ما وصل، طلب دكاترة القلب فوراً وأمر بنقلها لغرفة العناية المركزة، وجاب أكبر استشاري جراحة قلب في مصر.
بعد الفحوصات والتحاليل، الدكتور طلع لأحمد وقال له: «عضلة القلب ضعيفة جداً وتعبانة من المجهود الشاق والضغط العصبي، بس الحمد لله ربنا كاتب لها عمر.. لو كنا تأخرنا يمين كمان كان هيبقى الفوات أوان. محتاجة عملية سريعة لتركيب دعامات وتغيير صمام، ودلوقتي نقدر نعملها بأمان.»
أحمد اتنفس الصعداء ونزل على الأرض يسجد لله شكر.
في نفس الوقت، الحاجة فاطمة الصاوي كانت قاعدة في القاعة فوق بعد ما الحفلة خلصت والضيوف مشيوا. المحامي بتاع العيلة وصل بناءً على استدعاء عاجل منها، وقعد قدامها.
فاطمة قالت له بحدة وقلق: «أنا عاوزاك تعملي حظر على حسابات أحمد، وتعمل لي نقل ملكية للشركة قبل ما هو يعمل أي حاجة!»
المحامي بص لها بحزن وهز رأسه: «للأسف يا حاجّة فاطمة.. أحمد بيه سبقك. من نص ساعة جالي إخطار إن أحمد بيه رفع دعوى حجر وإثبات خيانة أمانة وتزوير تقارير طبية، وقدم التقرير الطبي بتاع الدكتورة فؤاد وشهادة الطفلة ونماذج تحويلات البنك. النيابة أصدرت قرار فوراً بتجميد كل حساباتك والتفظ على ممتلكاتك لحين التحقيق.»
فاطمة اتصدمت، الكاس اللي في إيدها وقع واتدشش على الأرض. العز والفلوس والسلطة اللي عاشت عشانهم سنين طويلة انهاروا في لحظة واحدة بسب جشعها.
بعد مرور ستة أشهر..
الشمس كانت طالعة ودلوقتي مالية الجنينة بتاعة فيلا أحمد الجديدة في التجمع.
مريم كانت قاعدة على كرسي مريح، وشها ردت فيه الصحة والروح، ولابسة فستان أبيض بسيط، ومسك كباية شاي. نور كانت بتجري وتلعب في الجنينة بضحكة عالية ومبهجة، لابسة فستان جديد وجزمتها بتلمع، ومفيش أي أثر للأيام السودة اللي عاشتها.
أحمد خرج من الفيلا، قعد جنب مريم وأخد إيدها في إيده: «بتفكري في إيه يا حبيبتي؟»
مريم بصت له بابتسامة دافية مليانة أمان: «بفكر في إن ربنا رحيم قوي.. رجعك ليا ولنور، وشفا لي قلبي اللي كان مقصور.»
أحمد باس إيدها وقال: «وقلبي أنا كمان اتصلح بيكوا.. حقكوا عندي عمري ما هنساه، والبيت ده مش هيدخله غير الحب والأمان طول العمر.»
#حكايات_شروق_خالدبعيد عن دوشة المدينة وفي هدوء القصر، الدنيا أخيرًا ابتسمت لعيلة أحمد.
أحمد كان متابع القضايا في المحاكم عن طريق محاميه الخاص. المحكمة أصدرت حكم نهائي بإدانة الحاجة فاطمة بتهمة خيانة الأمانة والتزوير والاستيلاء على أموال القصر، ولأنها ست كبيرة في السن، المحكمة حكمت بإلزامها بفرش وتأثيث دار رعاية تحت الحراسة القضائية، وتجريبها من كل صلاحياتها وممتلكاتها وإدارتها في شركات الصاوي.




