حكايات شروق خالد ج1

كان الدم بينتشر على الرخام الأبيض تحت وشي، في اللحظة اللي قررت فيها إني ما اتحركش. الوقعة نفسها ما كانتش وجعتني تقريبًا، لكن وأنا شايف خادمتي وهي بتهوي على ركبها جنبي، والست اللي كنت على وش جواز منها واقفة متجمدة فوق السلم، فهمت إن التظاهر بالعجز ممكن يكشف حاجة أخطر بكتير من أي عدو قابلته في حياتي.
“أستاذ ياسين… متتحركش. والنبي.”

سلمى وقعت على الأرض بعنف لدرجة إن ركبها أكيد اتخبطت جامد، لكنها ما اهتمتش. بإيدها حطت فوطة على الجرح اللي فوق حاجبي، وبالإيد التانية طلعت موبايلها بسرعة.

أما فوق السلم، فكانت نادين واقفة مكانها. ساكتة. ولا كأنها شايفة راجل هيتجوزها واقع قدامها والدم مغرق وشه.

بدأت أعد في سري. ثانية. اتنين. تلاتة. أربعة. وبعدها بس صرخت.

“يا نهار أبيض… ياسين!”

نزلت السلم بسرعة، وهي ماسكة الدرابزين بإيد، وحريصة على كعب جزمتها الغالي ما يزحلقهاش.

سلمى ما بصتش ناحيتها حتى. فضلت عينيها عليّ.

“خليك معايا.” قالتها بصوت واطي، وهي بتحاول تمنع دموعها. “قولي النهارده كام؟”

كنت عارف النهارده كام بالظبط. الدم كان حقيقي. لكن العجز… كان تمثيل.

بقالى خمستاشر سنة، كل رجال عالم الجريمة في القاهرة والمناطق اللي حوالينها عارفين اسم ياسين المنشاوي. كنت مسيطر على مخازن، وشركات مقاولات، نوادي خاصة، وشبكة نقل بضائع ممتدة من القاهرة لحد الموانئ. كان عندي رجالة في كل مكان. وأعداء أكتر من اللي أقدر أعدهم.

لكن محدش كان يقدر يلمسني من غير إذني. ومحدش كان يرفع صوته جوه بيتي. ومحدش عمره شافني مرمي على الأرض بالشكل ده.

ومع ذلك… سلمى اتحركت من غير ما تفكر في نفسها. أما نادين… فكرت الأول.

والفرق ده فكرني بجملة أبويا كان دايمًا بيقولها قبل ما رصاصة تنهي حياته. “يا ياسين… إنت عمرك ما هتعرف مين بيحبك وإنت قاعد في بيت كله فخامة.” “هتعرف الحقيقة لما حاجة تتكسر.”

وقتها ما فهمتش قصده. دلوقتي… فهمت.

قبل تلات شهور بس، كان مجرد التفكير في إن نادين ممكن تخدعني شيء مستحيل. كانت ذكية. أنيقة. وعارفة تتعامل مع الرجالة الأقوياء من غير ما تخاف.

اتقابلنا أول مرة في حفلة خيرية في الزمالك من سنتين. كانت قاعدت جنبي، وبصت للحلو وقالت بهمس: “الحلو ده شكله اتخانق مع ليمونة وخسر.”

ضحكت وقتها من قلبي. ضحكة ما طلعتش مني بالشكل ده من شهور. نادين خلت حياتي تحس إنها طبيعية.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *