#حكايات_شروق_خالد
من غير ما أفكر، نطيت وخطفها من إيده في ثانية:”لأ دي بتاعتي، متدلقهاش!”أخت جوزي بصت لي باستغراب وسخرية: “هتعملي إيه بالبتاعة المقطوعة دي؟ دي ريحتها عفن وشكلها يقرف!”سكت وما ردتش، وحــ,,ـــــضنتها في صدـ,,ـــري بكل قوتي.
عشان دي آخر وصية نطقت بيها فاطمة، ولأنها اختارتني أنا بالذات من وسط الكل. ولأنها مهما كانت مهترئة وقديمة ومفرتكة، دي الحاجة الوحيدة اللي جمعت فيها آخر نفس ليها عشان تخصني بيها. بليل، وأنا قاعدة لوحدي في المطبخ، حطيت المخدة قدامي على الترابيزة.
القماش كان مشقوق من الجنب، وريش الوز القديم باين منه. ريحتها كانت خليط من نفتالين ومرهم لافندر قديم.. ريحة السنين اللي راحت. في الأول قلت يمكن دي تهاويس آخر لحظة والمحتضر بيخرف، وكنت خلاص هقوم أحطها في أبعد حتة في الدولاب.
بس وأنا بمد صوابعي جوة الفتحة المقطوعة دي عشان أظبط القطن اللي جواها، صوابعي خبطت في حاجة صلبة.. حاجة ناشفة وملفوفة بإحكام شديد ومش شبه الريش خالص.#حكايات_شروق_خالدمسكت الحاجة الناشفة دي وشدتها بشويش من جوة الريش.. طلعت قماشة قديمة مربوطة بحتة خيط سميك ومغبرة بريحة الزمن.
قلبي كان بيدق زي الطبلة في صدـ,,ـــري والبيت حواليا ساكت سكون المقابــ,,ـــــبر. فكّيت الخيط بإيد بتترعش، وفتحت القماشة تحت نور اللمبة الضعيفة. عيني اتسمرت مكانها ومكنتش مصدقّة اللي شايفاه. الدم وقف في عروقي من الصدمة.
جوة القماشة كان فيه غوايش ذهب قديمة تلمع وسط التراب، وجنيهات ذهب حقيقية تمنها يعدل الدنيا، ومعاهم ورقة مطوية مكتوبة بخط إيد فاطمة المتعرج والصعب:”يا بنتي يا مروة.. ده عرق عمري وشقايا اللي خبيته طول السنين.
محدش من العيال استحق منه مليم واحد، عشان محدش فيهم استحمل مرار سنيني ولا حس بوجعي غيرك.. الذهب ده ملكك وحدك، عشان يستر بيتك وتأمني بيه مستقبل ابنك.. عوض ربنا ليكي جه لحد عندك.”دموعي نزلت زي الشلال على خدودي، بس المرة دي مش من القهر ولا التعب.
. دي دموع راحة وفرحة ووجع قلب على ست صابرة راحت وسابت لي رضا الدنيا كله في مخدة مقطوعة. تاني يوم الصبح، البيت اتملى بالعيال التانيين وهم بيدوروا في كل حتة وبيقلبوا الدولايب بعصبية:”فين فلوس أمنا؟ فين دهبها اللي كانت شايلاه؟ دي ست عمرها ما قعدت من الشغل أكيد مخبية حاجة!

