أنا مروة. اتجوزت وأنا عندي ست وعشرين سنة، ودخلت بيت عيلة كان مخروم من كل حتة ومفيش فيه حاجة عدلة. حمايا كان مات بدري، وحماتي الحاجة فاطمة فضلت لوحدها تقاسي وتكابر عشان تربي الأربع عيال بالقرشين اللي بتطلعهم من عزقة الغيط وعمل الطين في أرياف مصر. طول عمرها شايلة الهم في الأرض، زرعة ورا زرعة، درة وفول صويا. لا عمرها شافت تأمين صحي، ولا أخدت يوم إجازة تريح فيه، وطبعاً معاش زي الناس مافيش خالص. على ما دخلت أنا البيت، كان تقريباً كل عيالها طاروا وكل واحد راح لحاله وشق طريقه. ييجو يطلو من السنة للسنة. تليفوناتهم بالقطارة، وساعات ولا حتى يكلّفوا خاطرهم. في الآخر، الست العجوزة ملقاتش قدامها غير بيتنا تقعد فيه.. ومع الأيام، وحدتها بقت تقطع القلب. والجيران بقى، ما صدقوا لقوا لقطة:"يا مسكــ,,ـــــينة يا مروة، دي بقت ممرضة مش مرات ابن!""أصل عيالها دول هيطلعوا في العزا بس! "كنت بسمع وأطنش وأقول كبر دماغك. عشان هي بالنسبة لي ماكنش اسمها "أم جوزي وخلاص"، دي ست شقيانة تعبت لحد ما صوابعها اتبرت من الشغل عشان عيالها، وفي آخر عمرها مبقتش قادرة حتى تحط نقطة المية في بوقها لوحدها من كتر ما إيدها كانت بترتجف كأنها هتقع. ساعات كنت بجيب آخري وأتعب. جوزي كان مسافر بالأسابيع شفتات في القاهرة، وأنا قاعدة وحدي في البيت مع ابني الصغير والحاجة فاطمة. أطبخ، أنظف، أحميها، أغير لها هدومها، وأعملها طبق بليلة سخن، وأكلها بدواها، وأقوم مفزوعة في نص الليل بس عشان أحط إيدي على صدـ,,ـــرها أطمن إنه بيطلع وينزل. على الحال ده اطناشر سنة بحالها. اطناشر سنة وأنا شايفه الست اللي كانت بصحتها وتقلب الصخر، بتصغر وبتدبل قدام عيني لحد ما بقت قد العصفورة. في يوم، ومن كتر الإرهاق والضغط اللي كنت فيه، عيطت بمرارة جنب سر,,ـــــيرها وقلت لها:"يا أمي.. أنا في الآخر مرات ابنك. . ساعات بحس إن خلاص.. مبقتش قادرة أستحمل."مردتش كتير، هي طول عمرها قليلة الكلام. بس مدت إيديها الباردة الخشنة، ضغطت على كفي وقالت لي بصوت هادي يمسح على القلب:"عشان كده يا بنتي.. عشان كده ربنا هيعوضك ويحطك في حتة تانية خالص. "مش عارفة ليه، الكلمة دي دخلت قلبي وفضلت رنانة في وداني. من يومها، بقيت أشيلها في عيني الاتنين وأخدمها بحب أكتر. بطنها توجعها؟ أعملها شوربة لسان عصفور دافية. سقعانة؟ أجيب بطانيتين صوف وأقعد أدلك في رجليها لحد ما تدفى. مش جاي لها نوم؟ أسلّيها وأقعد جنبها للصبح وأنا عارفة إن ورايا يوم طويل ومهددة بالنوم على روحي. عمر ما جه في بالي إنها هتكتب لي حاجة، ولا هتسيب لي قرش، ولا حتى حتة أرض، ولا حتى كلمة شكراً. أنا كنت بعمل كده لوجه الله ومن جوة قلبي بجد. لكن العيال التانيين؟ حاجة تانية خالص. لما كانوا يشرفوا بزيارة سريعة، يقعدوا خمس دقايق، يسألوا كلمتين ببرود، ويحطوا سلة فاكهة على الترابيزة، وقبل ما يدوروا عربياتهم يقولوا الكلمتين المعتادين:"يا سلام يا مروة، إنتي صبورة أوي بجد.""إحنا لو مكانك كنا اتجننا! ""إنتي عارفة أمنا وطبعها.. عنيدة وناشفة دماغ."كنت بابتسم في وشهم وأسكت عشان عيب. بس من جوة، قلبي كان بيتقطع. هم شايفين الوش الحلو والخدمة، بس محدش فيهم سهر معايا ليلة واحدة في وجعها، محدش سمعها وهي بتنادي على جوزها المرحوم في نومها، ومحدش شاف دموعها وهي نازلة في صمت لأنها مبقتش قادرة تتمشى لحد برة على البلكونة. الشتا اللي فات ده كان أزفت شتا عدى علينا. فاطمة بطلت تاكل نهائي. النفس بقى بيطلع بالعافية. وتلاقيها سرحانة وفاتحة عينيها تبص للباب كأنها مستنية حد ييجي.. وحد ده ما جاش خالص. في يوم بعد العصر، طلبت مني أعدلها. عدلت لها المخدة القديمة المقطوعة اللي ورا ظهرها، وفضلت تلمس الحروف المنسولة بتاعتها وهي سارحة لبعيد."فيه إيه يا أمي؟ تعباكي في حاجة؟" سألتها برقة."لسه يا مروة.. لسه."ماكنتش فاهمة هي تقصد إيه بظبط. وفي الليل، الدنيا كحلت والتنفس بقى حشرجة صعبة. مسحت جبينها، بليت شفايفها اللي ناشفة من العطش، وفضلت قاعدة جنبها والهوا بتاع الشتا بيخبط في الشباك زي الصراخ. ابني نايم، والبيت هااادي مفيش فيه غير صوت عقارب الساعة على الحيطة.. ونفس فاطمة اللي طالع نازل بصعوبة. فجأة، فتحت عينيها وبصت لي نظرة غريبة. جريت عليها وقربت وشي منها:"أنا جنبك اهو يا أمي."رفعت إيدها بالعافية الشديدة، وشاورت بصعوبة على المخدة القديمة المقطوعة اللي نامت عليها عمرها كله، وقالت بصوت مجروح هامس:"دي بتاعتك يا مروة.. ليكي إنتي وبس.."حبت تكمل بس ملاحقتش. إيدها سابت إيدي ونزلت مرخية.. وصدـ,,ـــرها.. بطل يتحرك خلاص. الدنيا اتقفلت في وشي وعيطت عياط هستيري لحد ما النور طلّع. بعدها بشوية، لقيت البيت اتملى بالعيال التانيين. صويت، عياط، وزعيق، وتليفونات. وفي وسط ما هم بيكروا الأوضة ويلموا الهدوم والكركبة، واحد من أصهاري مسك المخدة القديمة دي عشان يرميها في كيس الزبالة. من غير ما أفكر، نطيت وخطفها من إيده في ثانية:"لأ دي بتاعتي، متدلقهاش!"أخت جوزي بصت لي باستغراب وسخرية: "هتعملي إيه بالبتاعة المقطوعة دي؟ دي ريحتها عفن وشكلها يقرف!"سكت وما ردتش، وحــ,,ـــــضنتها في صدـ,,ـــري بكل قوتي. عشان دي آخر وصية نطقت بيها فاطمة، ولأنها اختارتني أنا بالذات من وسط الكل. ولأنها مهما كانت مهترئة وقديمة ومفرتكة، دي الحاجة الوحيدة اللي جمعت فيها آخر نفس ليها عشان تخصني بيها. بليل، وأنا قاعدة لوحدي في المطبخ، حطيت المخدة قدامي على الترابيزة. القماش كان مشقوق من الجنب، وريش الوز القديم باين منه. ريحتها كانت خليط من نفتالين ومرهم لافندر قديم.. ريحة السنين اللي راحت. في الأول قلت يمكن دي تهاويس آخر لحظة والمحتضر بيخرف، وكنت خلاص هقوم أحطها في أبعد حتة في الدولاب. بس وأنا بمد صوابعي جوة الفتحة المقطوعة دي عشان أظبط القطن اللي جواها، صوابعي خبطت في حاجة صلبة.. حاجة ناشفة وملفوفة بإحكام شديد ومش شبه الريش خالص.#حكايات_شروق_خالدمسكت الحاجة الناشفة دي وشدتها بشويش من جوة الريش.. طلعت قماشة قديمة مربوطة بحتة خيط سميك ومغبرة بريحة الزمن. قلبي كان بيدق زي الطبلة في صدـ,,ـــري والبيت حواليا ساكت سكون المقابــ,,ـــــبر. فكّيت الخيط بإيد بتترعش، وفتحت القماشة تحت نور اللمبة الضعيفة. عيني اتسمرت مكانها ومكنتش مصدقّة اللي شايفاه. الدم وقف في عروقي من الصدمة. جوة القماشة كان فيه غوايش ذهب قديمة تلمع وسط التراب، وجنيهات ذهب حقيقية تمنها يعدل الدنيا، ومعاهم ورقة مطوية مكتوبة بخط إيد فاطمة المتعرج والصعب:"يا بنتي يا مروة.. ده عرق عمري وشقايا اللي خبيته طول السنين. محدش من العيال استحق منه مليم واحد، عشان محدش فيهم استحمل مرار سنيني ولا حس بوجعي غيرك.. الذهب ده ملكك وحدك، عشان يستر بيتك وتأمني بيه مستقبل ابنك.. عوض ربنا ليكي جه لحد عندك."دموعي نزلت زي الشلال على خدودي، بس المرة دي مش من القهر ولا التعب. . دي دموع راحة وفرحة ووجع قلب على ست صابرة راحت وسابت لي رضا الدنيا كله في مخدة مقطوعة. تاني يوم الصبح، البيت اتملى بالعيال التانيين وهم بيدوروا في كل حتة وبيقلبوا الدولايب بعصبية:"فين فلوس أمنا؟ فين دهبها اللي كانت شايلاه؟ دي ست عمرها ما قعدت من الشغل أكيد مخبية حاجة! "أنا كنت واقفة في المطبخ بهدوء، وحاضنة المخدة اللي فيها الكنز تحت دراعي، وبصيت لهم من بعيد وفي قلبي طمأنينة وراحة ما تتوصفش، وافتكرت كلمتها اللي قالتها لي يوم ما كنت منهارة:"علشان كده يا بنتي. . علشان كده ربنا هيحطك في حتة تانية خالص."#حكايات_شروق_خالدأخوات جوزي فضلوا يقلبوا البيت حتة حتة، يفتحوا الدواليب، ويرموا الهدوم على الأرض، ويدوروا في كل ركن كأنهم مجانين مش مصدقين."مستحيل! الست دي كانت بتشتغل وتجمع قروشها طوال عمرها، راحت فين فلوسها؟! " أخت جوزي صرخت وهي منهارة ووشها أحمر من الغضب والجشع. أخو جوزي التاني بص لي بشك، وتقدم نحوي بعصبية وهو بيقول: "إنتي يا مروة.. متأكدة إنها ما سابتش حاجة؟ ما اتكلمتش معاكي قبل ما تمــ,,ـــــوت؟ مش إنتي اللي كنتِ قاعدة جنبها لآخر لحظة؟ !"رفعت راسي بهدوء تام، وبصيت له بثقة وثبت عيني في عينه وقلت بصوت هادي: "أمكم ماتت وهي راضية عني.. وسابت لي اللي يعوضني عن تعب السنين كلها.. بس مش باللي أنتوا بتدوروا عليه في كراكيبكم دي. "طبعاً ماكنوش فاهمين قصدي خالص، وفاكرين إني بتكلم عن الدعوة الطيبة أو الكلام الحلو، فتنططوا بغيظ وبدوا يتكلموا بطريقة تقطع القلب من الجشع: "دعوات إيه وبطيخ إيه! إحنا عايزين الورث والفلوس.. دي أمنا ولحمنا!"وفضلوا يزعقوا ويشتموا، لحد ما زهقوا وطلعوا بره البيت وهم بيخبطوا الباب وراهم بكل عصبية، ونازلين يلطموا على الحظ اللي فاكرين إنه ضاع منهم. لما البيت هدي وبقينا لوحدنا، دخلت الأوضة، وطلعت الدهبات من القماشة القديمة، ولمعت تحت نور اللمبة. مسكت الغوايش والجنيهات، وحطيتها قدام ابني الصغير اللي كان مستغرب، وبسته في جبينه وعניا مليانة دموع الفرحة. افتكرت كل ليلة سهرتها، وكل وجع استحملته، وكل دمعة نزلت مني وأنا بخدمها لوجه الله. . وحسيت ساعتها بمعني آية "إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً".الحاجة فاطمة راحت عند اللي أحنن منها، بس سابت لي بركتها وسترها اللي هيفتح ليا أنا وابني باب جديد لحياة كريمة وآمنة. ومن يومها، بقيت ماشية في الدنيا وأنا مرفوعة الراس، وعارفة كويس إن جزاء الصبر والخدمة الخالصة من القلب.. دايماً بيجي في الوقت الصح وبأجمل طريقة ممكنة. مخدة الحاجه فاطمة#حكايات_شروق_خالد