الذئب في ثوب صديق ج1 حكايات شروق خالد
“ابعدي عني!”
قلبي وقع في رجلي.
“مريم، فيه إيه يا بنتي؟”
“مفيش!”
“هو حصل خناقة بينك وبين خالد؟”
“لا!”
“مالك طيّرتي النوم من عيني، فهّميني بتعيطي ليه؟”
فتحت الباب شوية.
كانت عينيها حمرا ووشها كله مبلول دموع.
وقفنا نبص لبعض بثواني من الصمت الرهيب.
وبعدين قالت لي كلمة عمري ما سمعتها منها قبل كده:
“إنتِ مالك أصلاً! سيبيني في حالي!”
رجعت لورا من الصدمة.
ومريم قفلت الباب في وشي.
ووقفت في الممر مش فاهمة إي اللي وصل بنتي اللي كانت بتعيط من الفرحة عشان خبر الباليه، إنها تكلمني بالجفاف ده وتتعامل كأني عدوها اللي مش بتثق فيه.
في نفس الليلة، طلبت من عادل يكلم خالد ويفهم فيه إيه.
فتح عينه باستغراب:
“ليه؟ اكلمه في إيه؟”
“علشان سمعت مريم وهي بتقوله أنت وعدتني تكلمها، وهو رفض وما رضيش يقول لي.”
عادل كشّر:
“خالد قال لي إنها كانت زعلانة عشان الأكل.”
“يا عادل البنت كانت بتعيط!”
“جائز اختلفوا في حاجة تافهة.”
“طب ليه ما بتقولناش مالها؟”
اتنهد بضيق:
“يا كلير – أقصد يا سحر، أنا أعرف خالد من أيام المدرسة والجامعة.”
“عارفة.”
“بيساعدنا من أسابيع وبيهتم بينا كأنه أخويا.”
“وأنا عارفة ده كويس.”
بص لي بعتاب:
“طب مالك؟ حسستيني إن فيه مصيبة وقعت.”
خدت نفس طويل:
“علشان بنتنا اتغيرت مية وثمانين درجة ومفيش حد فينا فاهم حاجة.”
سكت ومردش.
فكملت كلامي:
“كانت بتصحى تتمرن كل يوم بحماس، ودلوقتي مش راضية تفتح شنطتها أصلاً.”
“تلاقي الدرس صعب عليها.”
“ما تقول كده أمال!”
عادل حط إيده على جبينه:
“أنا شايف إنك بتبالغسي في القلق.”
جائز كنت ببالغ.
بس لما دخلت أنام بالليل، صورتها وهي ماسكة في كم خالد ومش راضية تسيبه كانت قدام عيني.
وصوتها وهي بتقول بيأس:
أنت وعدتني إنك هتقول لها.
ما عرفتش أنام طول الليل.
مع أول النور، أخدت قراري النهائي.
أنا رايحة الاستوديو بنفسي من غير ما أقول لحد.
تاني يوم الظهر، نسقت ظروف شغلي وطلعت بدري.
ما قلتش لعادل.
وما كلمتش خالد.
ولا حذرت مريم إني جاية.
مش رايحة أراقب بنتي ولا أشوفها عاملة مصيبة.
أنا بس رايحة أسأل المدرسة وأفهم هل فيه حاجة في التمرين مضايقاها ومخلياها كارهة نفسها كده.
سوق العشرين دقيقة لحد الاستوديو.
أول ما دخلت المبنى، سمعت صوت المزيكا طالعة من قاعات التدريب.
الطلبة كانوا بيخلصوا الحصة.
من خلال إزاز الباب، قدرت أششوف بنات كتير واقفات على البار بيتمرنوا.
دورت بعيني في الأوضة.
بنت شعرها غامق زي مريم.
وبنت تانية لابسة لبس شبهها.
بس مفيش بنتي بينهم.
فضلت باصة في ركن الأوضة البعيد.
برضه مريم مش موجودة.
استنيت لحد ما المزيكا وقفت والبنات ابتدوا يلموا حاجتهم ويخرجوا.
واحدة ورا واحدة.
ومريم مش في وسطهم.
حسيت بوجع في معدتي ونبضات قلبي زادت.
جائز نقلوها قاعة تانية.
أو يمكن بتغير هدومها.
قربت من ست واقفة ماسكة أوراق قدام الممر.
“لو سمحتِ، أنا بسأل عن مريم عادل.”
الست رفعت وشها:
“حضرتك والدتها؟”
“آه، أنا سحر.”
عرفتني نفسها بأنها مديحة، مدرّبة الباليه بتاعت مريم.
ابتسمت لها بقلق:
“أنا جيت أفاجئ مريم وأخدها معايا النهارده. هي بتمرين في قاعة تانية؟”
وش المدربة اتقلب في ثانية.
الابتسامة اختفت.
بصت ناحية القاعة الفاضية وراها.
ورجعت بصت لي بحزن وقلق:
“يا مدام سحر… هو بنتكِ ما حكتش لكِ على أي حاجة من اللي بتحصل خالص، مش كده؟”
الدنيا لفت بيا، وحسيت إن الأرض بتسحب من تحت رجلي.
“قصدك إيه يا مديحة؟ مريم فين؟”
الست صعبت عليها حالتي، مسكت إيدي وقادتني بهدوء لجوة القاعة بعد ما قفلت الباب كويس عشان مسمعش حد بره.
“هدي نفسك يا مدام سحر… الحقيقة إن بنتك مريم ما حضرتش ولا حصة باليه عندنا من أكتر من شهرين!”
جسمي كله كنش، والصوت اختفى من زوري. مكنش قادرة أنطق بحرف واحد.
“إزاي… إزاي مش بتيجي؟ خالد كان بيجيبها كل اتنين وأربع وخميس!”
مديحة هزت راسها بحزن وقالت:
“فعلاً، الأستاذ خالد كان بيوصلها بالعربية لحد باب الاستوديو، وهي كانت بتنزل وتمسك شنطتها كأنها داخلة. بس عمرها ما دخلت القاعة عندي من زمان. في الأول أنا افتكرت إن عندها ظرف، أو إنكم نقلتوها استوديو تاني. بس بعد كده لاحظت حاجات غريبة.”
قلبي كان هيوقف من الخوف: “حاجات إيه؟ اتكلمي ارجوكِ!”
“كنت بشوفها أوقات وهي راجعة العربية معاه… كانت بتبقى باينة عليها إنها منهارة وبتعيط، ومرة سمعتها وهي بتقول له بصوت واطي ومترجي: ‘أرجوك يا عمو خالد سيبني أقول لماما وبابا’، وهو كان بيزعق لها بصوت خشن ويقول لها تركب العربية من غير ما تمعملناش لفت نظر.”
الكلمات نزلت عليا زي صاعقة كهربا. كل قطعة بازل في دماغي ركبت مكانها فجأة.
رعشة مريم وهي ماسكة في كم قميصه.
عيطها في الحمام.
جفاها وتغيرها المفاجئ.
وكلامها لما قالت لي: “أنتِ مالك أصلاً! سيبيني في حالي!”
الراجل اللي كنا بنعتبره أخونا، اللي دخل بيتنا وثقنا فيه تلاتين سنة… طلع بيضحك علينا وبيعمل في بنتي كل ده! كان بياخدها، بس مش للباليه… كان بيوديها فين؟ وكان بيعمل فيها إيه؟
الدم غلي في عروقي، وحسيت بنار في صدري تاكل الجمل. ودّي أطير أروح أقتله بإيدي دلوقتي حالا.
شكرت مديحة بصوت مكسور ومنهار، وطلعت أجري من الاستوديو وأنا بموت من العياط. ركبت العربية وإيدي بتترعش لدرجة إني بالكاد عرفت أدوّر المفتاح.
في الطريق للبيت، عقلي كان بيبرجل. أقول لعادل إزاي؟ هيصدقني ولا هيقول إني ببالغ زي كل مرة؟ ولو واجهت خالد، هعمل إيه؟
دخلت البيت وأنا في حالة جنون. لقيت عادل قاعد في الصالة لوحده بيشرب شاي وبيقرا ورقة.
أول ما شافني وشي أصفر وعيوني حمرا ومنهارة، قام مفزوع من مكانه:
“يا سحر! مالك في إيه؟ شكلك عامل كده ليه؟ إيه اللي حصل؟”



