الذئب في ثوب صديق ج1 حكايات شروق خالد

مدت الشاشة في وشي.
قريت الرسالة… وقريتها تاني.
“يا حبيبتي ألف مبروك!”
حضنتها جامد لدرجة إني حسيت إن نفسي بيقطع.
“أرجوكِ يا ماما”، قالت لي وهي بتترجاني: “أنا عايزة أروح أوي.”
كنت عايزة أوافق في الحال.
بس لما بصيت على عنوان الاستوديو، فرحتي هبطت.
بيبعّد عن بيتنا بتاع خمسين دقيقة بالعربية.
ولو هتركب مواصلات عامة هتركب مشروعين، والدرس بيخلص بعد الساعة تمانية بالليل.
وأنا وعادل بنرجع متأخر من الشغل.
إن مريم تروح هناك تلات أيام في الاسبوع دي لوحدها مشكلة، والأصعب إنها ترجع بالليل لوحدها.
بصيت للجدول تاني، فمريم خدت بالها من ترددي.
“ماما؟”
“لازم نشوف موضوع المواصلات ده يا حبيبتي.”
ابتسامتها طارت.
“بس أنا جالي المنحة.”
“أنا عارفة يا قلبي.”
“وتعبت على ما اتقبلت.”
“عارفة والله.”
نزلت عينيها في الأرض.
“أرجوكِ ما تقوليش لأ.”
قلبي وجعني عليها.
لمدة أسبوعين، أنا وعادل قعدنا ندور ونفكر.
سألنا جيراننا، وكلمناها مع زمايلنا في الشغل، وفكرنا نغير مواعيدنا.
بس مفيش حد يقدر يوصلها ويرجعها بالثلاث أيام دول بانتظام.
وهي عرضت إنها تركب ميكروباص لوحدها.
“أنا ممكن أخرج بدري من المدرسة عشان ألحق الدرس.”
“المشكلة مش في الروحة، المشكلة في الرجعة بليل متأخر.”
تنهدت وقالت:
“يعني أتقبل وما أروحش برضه؟”
ومكنش عندي رد.
لحد ما في يوم واحنا قاعدين نتغدى يوم الجمعة، الحل جه من حد نعرفه من سنين طويلة.
خالد كان صاحب عادل الروح بالروح من أيام الثانوي.
طالعين مع بعض في نفس العمارة والمنطقة، ولعبوا كورة مع بعض، وفضلوا صحاب لحد ما كبروا وعجزوا.
حضر فرحنا، وجه زارنا أول ما مريم اتولدت.
وكان بيحضر معانا السبوع، وأعياد الميلاد، والجمعات العائلية كلها.
مريم كانت بتعتبره زي خالها وعارفاها من وهي لسة بيبي.
وخالد مراته هبة عندهم بنت قد مريم اسمها رنا.
والبنتين كانوا بياخدوا باليه مع بعض زمان، فخالد كان عارف كويس الباليه ده يعني إيه لبنتنا.
يومها، مريم جابت سيرة الموضوع تاني على الأكل.
“يا بابا، طب لو ركبت مواصلات بدري وقعدت جوه الاستوديو مستنية؟”
عادل هز راسه برفض:
“يا حبيبتي المشكلة في رجعتك بليل لوحدك.”
بصيت لها وأنا حزينة عشانها:
“يا ريت لو كان فيه حل تاني.”
مريم سكتت وبصت في طبقها.
وهنا خالد اتكلم من آخر الترابيزة:
“هو انتو ليه مش بتطلبوا مني أنا؟”
عادل رفع عينه باستغراب:
“أطلب منك إيه؟”
“أوصلها.”
برقت بعيني:
“يا خالد، دول تلات أيام في الأسبوع!”
هز كتافه بسلام ولا كأن فيه حاجة:
“مكتبي أصلاً في نفس الشارع اللي فيه الاستوديو.”
عادل رفع حاجبه:
“بجد يا خالد؟”
“آه والله. أنا أخد مريم معايا بعد المدرسة، أوديها، وأقعد أخلص شوية شغل ومكتب في العربية أو القهوة اللي جنب الاستوديو لحد ما تخلص، وأرجع أجيبها وأطلع بيها على البيت.”
ترددت في الكلام:
“يا راجل ده تعب كبير عليك.”
ضحك وقال بصوت عالي:
“تعب إيه يا أم مريم! دي زي بنتي، وأنا كدي كدي في الشارع ده.”
مريم بصتله وبرقت من الفرحة:
“بجد يا عم خالد هتعمل كده؟”
“طبعاً يا ليلى – أقصد يا مريم، هو فيه أعز منك؟ لازم نطلعك رقاصة باليه مشهورة.”
ضحكت وركضت ناحيته وحضنته جامد:
“شكراً! شكراً يا عم خالد بجد!”
عادل ابتسم:
“متأكد يا خالد ومش هتتعب؟”
لوح بإيده بضيق مصطنع:
“إحنا أهل يا عم، بطلوا تقلوا الكلام ده.”
شكرته تاني.
وفي اللحظة دي، كنت حاسة إنه بيعمل معانا واجب عظيم وكريم جداً.
وكنت مرتاحة إن مريم مش هتضطر تضيع حلمها اللي تعبت علشانه.
ومكنش عندي أي سبب يخليني أشّك إن الاتفاق ده ممكن يحصل فيه أي حاجة وحشة.
أول كم أسبوع، الدنيا كانت ماشية زي الفل وحلوة قوي.
خالد كان بيعدي على مريم بعد المدرسة أيام الاتنين والاربع والخميس.
يوصلها الاستوديو ويجيبها على الساعة تسعة بالليل.
مريم كانت بتدخل البيت تجري وهي جعانة ومتحمسة:
“يا ماما! مش هتعلمي النهارده اتعلمنا إيه!”
وأنا أبتسم وأنا بسخن لها العكل:
“قولي يا حبيبتي.”
تبدأ تشرح لي الحركات والخطوات اللي اتعلمتها من المدربة بتاعتها.
وأوقات تسيب الكلام وتقوم تطبق الحركة قدامي بين البوتاجاز وترابيزة السفرة.
“يا مريم حاسبي، ماسكة حلة سخنة!”
“حطيها طيب وشوفي الحكاية!”
وعادل كان بيضحك من جوة الصالة.
وأوقات كان بيصورها وهي بتتدرب في الصالة:
“يا ستات ويا رجان، نجمة المسرح المستقبلية!”
“يا بابا عيب، امسح الفيديو ده!” كانت تقولها وتضحك.
البيت كان منور ومبهج.
ولأول مرة من سنين، مريم كانت بتاخد التدريب اللي حلمت بيه عمرها كله.
ومساعدة خالد هي اللي خلت ده يحصل.
وكنت ممتنة له للعين والراس.
بعدين فيه حاجة اتغيرت.
في الأول، التغيير كان خفيف لدرجة إني ما اخدتش بالي منه.
مريم بطلت تحكي عن اللي بتتعلمه.
ولما رجعت البيت، مابقتش تجري على المطبخ زي الأول.
بقت تاخد شنطة الباليه وتطلع بيها على غرفتها فوق على طول.
وفي ليالي، بقت تاخد عكلها تاكله في أوضتها لوحدها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *