ابوكي

ما ضحكتش.. وهو لاحظ.

“لسه بتفكري في الجواب؟” سألني بصوت هادي.

“كل يوم.”

أبويا بص للفطير وقلي: “وأنا كمان.”

“مش ببيوجعك إنك تشوفني؟” سألته وأنا عيني في الأرض.

رفع رأسه باستغراب: “إيه؟”

“أنا مش بنتك يا بابا..” الجملة طلعت زي الشوكة من حلقي.

أبويا حط الأكل من إيده، وبص لي بنظرة عمري ما هنسى قوتها:

“ندى.. اسمعيني كويس.”

صوته كان بيرتعش، بس كلامه كان زي الحديد:

“فتحي إداكي الدم.. أنا إديتك السهر، والفطار، والمطاعم، والمستشفيات، والقصص قبل ما تنامي.. العجلة البمبي اللي خبطتي بيها في سور الجاردن، مصاريف الكلية اللي كانت حيلتي، وأول عربية جيبتيهالك وخبطتيها بعد تلات أيام.. وكل جمعة كنت بداري دموعي وأنا بشوفك مسافرة شغلِك.”

بلعت ريقي بالعافية.

“الكلام ده.. مفيش ورقة في الدنيا تقدر تمسحه يا ندى.”

دموعي نزلت: “بس هما خدعوك طول حياتك.”

“أيوة،” قالها وهو بيمسح دموعي بإيده الخشنة: “هما خدعونى.. بس إنتي ما خدعتينيش أبداً.”

ماقدرتش أمسك نفسي.. قمت وحضنته.

كان أرفع من الأول، وأضعف.. بس ريحته هي هي: ريحة صابون القهوة، والتركيبة القديمة اللي بيحطها من وأنا صغيرة.

“بابا..” قولت له وأنا ماسكة فيه.

ضمّني بقوة وقال: “أنا أباكي.. ورجلي على رقبة أي حد.”

بعد سنة.. تامر أخد حكم بـ أربعة وعشرين سنة سجن.

شاهيناز خرجت.. جِت على شقة الزمالك من غير شنط، من غير مكياج، ومن غير التكبر اللي كان دايماً درعها.

أبويا فتح لها الباب.

هي ماقدرتش تبص في عينه: “أنا مش بنتك بجد..” همست وهي بتعيط.

أبويا وقف حبة، وبعدين حط إيده على كتفها:

“الكدبة دي حدمت بيوت كفاية يا شاهيناز.. بلاش تكمليها.”

شاهيناز انهارت.. عياط قبيح، ندم، ووجع سنين طالع من زقزوق حنجرتها. أبويا حضنها، وهي اتشبثت فيه زي طفلة تايهة في مول.

أنا كنت واقفة ببتفرج من بعيد.

ما سامحتهاش في اليوم ده.. بس برضه كرهي ليها اتمحى. المسامحة دي طلعت مش حاجة بتنزل من السماء فجأة، دي حاجة بتستوي على نار هادية أوي.

الأستاذة ماجدة جمعتنا تاني في مكتبها.

كنت فاكرة عشان ننهي إجراءات الورث، بس طلعت غلطانة للمرة الأخيرة.

كان فيه جواب مقفول من مكتب المحاماة اللي ماسك أعمال عمي فتحي الديب. عمي فتحي كان غير وصيته قبل ما يموت بيومين.. القاعات، والمحلات، والورش، والحسابات كانت بتتعدى الميتين مليون جنيه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *