حكايات شروق خالد

وبعد وقت طويل من الألم…

ولد الطفل.

ولد صغير.

ضعيف.

مريم كانت بتترعش من البرد والإرهاق.

لكن أول ما شافته، نسيت كل حاجة.

ابتسمت رغم دموعها.

«ابني…»

مدت إيديها المرتعشة ولفته في الشال اللي كانت جايباه معاه.

ضمته لصدرها.

«ياسين…»

ده الاسم اللي كانت هي وأحمد متفقين عليه لو ولد.

حاولت تقوم.

لكنها ما قدرتش.

الدم كان بينزل بغزارة.

حطت إيدها على بطنها، وحست بقوة جسمها بتروح منها.

بدأت تفهم.

كانت بتموت.

بصت لياسين.

كان صغير جدًا.

وشه أحمر، وجسمه ضعيف.

بدأ يطلع صوت خافت.

مريم قربته من صدرها.

قبلت جبينه.

وقالت بصوت مكسور:

«سامحني يا ابني… أبوك كان نفسه يكون هنا.»

الطفل تحرك بين إيديها.

مريم نزعت معطفها، رغم إن جسمها كان بيرتعش من البرد، وغطته بيه.

فضلت هي بفستانها المبلول.

سندت ضهرها على كومة القش.

وضمت ياسين لصدرها للمرة الأخيرة.

«عيش يا ابني… حتى لو أنا مش هكون جنبك.»

دمعة نزلت من عينها.

قفلت عينيها.

وبعد ساعات…

سكت نفسها.

مع أول ضوء للفجر، كانت مريم ماتت.

لكن ياسين كان لسه عايش.

كان مستخبي تحت المعطف والشال.

دافي بآخر ذرة دفء فضلت في جسم أمه.

ما كانش بيعيط.

ما كانش عنده القوة.

كان بيطلع صوت صغير ضعيف…

زي قطة صغيرة.

زي عصفور مصاب.

وفي نفس الصباح، كان عم إبراهيم خارج مع مراته أمينة.

قال لها وهو ماسك السلة:

«يلا يا أمينة، نروح ناحية الغيط الكبير. السنة اللي فاتت لقينا هناك فطر كتير.»

أمينة بصت للجو وقالت:

«المطر ده؟ إحنا هنرجع بالطين لحد ركَبنا.»

ضحك عم إبراهيم:

«وإيه يعني؟ ما إحنا قاعدين طول اليوم في البيت نعمل إيه؟ يلا.»

خرجوا.

مشوا وقت طويل.

عدوا من بين الغيطان، وبعدها دخلوا ناحية الأشجار.

الجو كان بارد، والأرض مبلولة.

مفيش فطر تقريبًا.

عم إبراهيم كان بيبص في الأرض بضيق.

وفجأة وقف.

رفع إيده.

«استني.»

أمينة بصت له:

«في إيه؟»

قال:

«سمعتي؟»

«سمعت إيه؟»

«صوت.»

سكتوا.

ركزوا.

وبعد ثواني…

سمعوا صوت ضعيف جدًا.

أمينة قالت:

«ده… عياط؟»

عم إبراهيم هز راسه:

«أيوه.»

«يمكن قطة؟»

قال:

«قطة إيه في وسط الغيط؟ تعالي.»

مشوا ناحية الصوت.

كل خطوة كانوا بياخدوها كانت بتقربهم من الحقيقة.

لحد ما وصلوا ورا كومة القش.

وفجأة…

أمينة حطت إيدها على بقها.

«يا ساتر يا رب!»

قدامهم كانت مريم.

مرمية على الأرض.

ميتة.

وشها هادي، وعينيها مقفولة، وشكلها كأنها نايمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *