حارس المكتبة والمنشاوي حكايات شروق خالد
حكايات شروق خالد
مرت أسابيع على الليلة دي، والروتين بيننا ما بقاش مجرد حضور وسكون، بقى فيه لغة تانية خالص ما حدش في القاهرة يفهمها غيرنا.
بقيت أعرف درجة تعب ياسين من طريقة خبطته على الباب. لو الخبطة ثقيلة، بعرف إن يومه في الموانئ والمكاتب كان مليان معارك، ولو الخبطة أهدى، بعرف إن الصداع واكل دماغه. وفي كل الحالات، كنت بسيب له الفنجان على الترابيزة—شاي ورق مظبوط—من غير ولا كلمة.
في ليلة من ليالي ديسمبر الشديدة البرودة، المطرة كانت نازلة بغزارة على قزاز الشباك الكبير. ياسين كان قاعد على الكرسي، مش نايم المرة دي، لكنه كان بيبص لي وأنا بستخدم الغراء الخاص والمكبس الخشبي عشان أربط كعب كتاب قديم يعود للقرن الثامن عشر.
قال فجأة بصوت هادي كأنه بيهمس لنفسه:
“إيدك ثابتة جداً وأنتِ بتصلحي اللي انكسر.”
رفعت عيني له وابتسمت ابتسامة خفيفة:
“الكتب القديمة عايشة على الصبر يا ياسين. الورق لما يدمّر، لو استعجلت عليه يتقطع أكتر. لازم تديه وقته عشان يقبل المادة الجديدة ويتمسك بيها.”
سكت لحظة، وبص لإيديه الكبيرة المشدودة، وبعدين رفع عينيه لي وقال بنبرة مليانة عمق:
“تفتكري البني آدمين زي الكتب؟ ينفع يترمموا بنفس الصبر؟”
نزلت المكبس من إيدي، وقربت خطوات بسيطة ووقفت قدام الكرسي بتاعه:
“البني آدمين أسهل وأصعب في نفس الوقت… أسهل لأنهم عايزين حد يسمعهم، وأصعب لأنهم بيخافوا يورّوا أجزائهم المكسورة لأي حد.”
في اللحظة دي، تلفونه رن.
نغمة حادة كسرت الهدوء. ياسين بص للشاشة، وملامحه الدافية اختفت في ثانية، وحل محلها القناع الصارم لـ “ياسين المنشاوي”. رد بكلمة واحدة:
“تكلم.”
سمع اللي بيتقال على الناحية التانية، وعينيه مثبتة عليا. الدقيقة دي كانت أطول دقيقة مرت في المكتبة. قفل الخط وبص لي بهدوء يرعب:
“عمي محمود بيحاول يلعب لعبة غبية… فاكر إن نقلك أو الضغط عليكِ هيخليني أتنازل عن حقي في الشركة.”
قلبي اتنفض، بس وحشيتش بالخوف زي زمان.
وقفت بثبات وسألته:
“وأنت هتعمل إيه؟”
ياسين وقف بطوله الفارع، وقرب مني لحد ما المسافة بيننا بقت شبه معدومة. حط إيده ببطء شديد على كتفي، لمسة حامية وحريصة في نفس الوقت:
“هعمل اللي كان المفروض أعمله من زمان… أنا مش هسيب حد يهدد المكان الوحيد اللي بعرف أتنفس فيه. من بكرة، المكتبة دي هتبقى تحت حمايتي بشكل رسمي، وأنتِ يا نورا… هتبقي الخط الأحمر اللي لو حد فكر يتخطاه، القاهرة كلها هتولع تحت رجليه.”
بصيت في عينيه، وما شفتش وحش ولا زعيم مافيا… شفت راجل مستعد يحارب الدنيا كلها عشان يحافظ على المأمن الوحيد لقلبه.

