حارس المكتبة والمنشاوي حكايات شروق خالد
“ارجعي. أنا منمتش من ساعة ما مشيتي.”
تمن كلمات.
قريتهم أربع مرات.
وقتها، الخوف اللي كان جوايا بدأ يتحول لحاجة تانية.
حاجة لسه ماكانش عندي اسم آمن ليها.
—
#حكايات_شروق_خالد
نزلت الإسكندرية في نفس الليلة. القطار كان بيتحرك بسرعة وأنا عيني مش مفارقة الشباك ولا الشاشة اللي أضاءت بالرسالة. ثماني كلمات من ياسين المنشاوي كانوا كافيين يخلوني أسيب المؤتمر وأرجع القاهرة من غير ما أفكر مرتين.
وصلت وسط البلد الساعة واحدة بعد نص الليل. الشوارع كانت فاضية، والأضواء الخافتة لمكتبتي كانت ظاهرة من بعيد. أول ما قربت، شفت العربية السوداء المركونة على الناصية.
فتحت باب المكتبة بالمفتاح. الصوت المألوف لصرير الباب قطع الهدوء.
كان قاعد في نفس المكان، على الكرسي جنب المدفأة الطافية، أيديه ساندة رأسه وعينيه مفهاش نقطة نوم، الملامح مجهدة جداً والهالات السودة تحت عينيه كانت أعمق من المرة اللي فاتت.
أول ما شافني، وقف.
“سافرتِ ليه من غير ما تقولي؟” نبرة صوته كانت هادية، بس شايلة ثقل التعب والحيرة.
قربت خطوات منتظمة وحطيت شنطتي على المكتب. “عشان دي حياتي يا ياسين. مؤتمر أوراق نادرة، حاجة بشتغل عليها من شهور. وأنت… أنت مجرد زائر بييجي ينام ويمشي.”
خطى خطوة ناحيتي، وعينيه مثبتة في عيني:
“أنا ما بنامش غير هنا. أنتِ مش زائر في حياتي، أنتِ المكان الوحيد اللي ما فيهوش حراسة ولا سلاح ولا كدب.”
بصيت له بثبات:
“عمك قال لي إن اللي بيهموك بيبقوا أهداف. ومروان أخوك…”
أول ما نطقت الاسم، جسمه اتشد كأنه اتضرب برصاصة. ملامحه اتحولت للجمود، لكن عينيه كان فيها وجع قديم مالي المكان.
“مروان مات في المكان اللي كنت بأمنه له بنفسي,” قالها بنبرة واطية وجافة. “من يومها والصداع ما بيقفش، والنوم بقا مستحيل… لحد ما دخلت المكتبة دي وسمعت صوت إيدك وهي بتقلب أوراق الكتب القديمة.”
سكت لحظة وقرب أكتر، لحد ما بقيت شايفها كل تفصيلة في وشه الشاحب:
“أنا مش هسمح لحدد يمسك بسوء. ولا عمي ولا غيره. العقد اللي بيننا مش مكتوب، بس حمايتك بقت قصاد الهدوء اللي بتديهولي.”
مسك إيدي ببطء شديد، لمسة دافية خلت كل التوتر اللي جواه يهدى.
“اقعدي كملي شغلك… وأنا هقعد هنا.”
قعدت على مكتبي، وفتحت الكتاب الأثري اللي كنت شغالة عليه. ياسين رجع لكرسيه، غمض عينيه، وفي خلال دقائق، أنفاسه بقت منتظمة وعميقة.
بصيت له وأنا ماسكة القلم… وعرفت إن الحكايات القديمة اللي بصلحها في الكتب مش هي الوحيدة اللي محتاجة ترميم؛ ياسين المنشاوي كان كتاب مقفول ومحروق، وأنا الوحيدة اللي معاها المفتاح.

