زعيم المافيا كان يقدر يسيطر على مدينة كاملة بمكالمة تليفون واحدة—لكن ماكانش بيقدر ينام غير وأنا جنبه. زعيم المافيا كان يقدر يخلي مدينة كاملة تطيعه بمكالمة واحدة. لكن كل ليلة، كان بييجي للمكتبة الصغيرة اللي بشتغل فيها. عمره ما لمسني. بالعافية كان بيتكلم. كان بس بيقعد قريب مني لحد ما نفسه يهدى، وبعدها يغمض عينيه وينام. وبعدين سبت المدينة لمدة تلات أيام من غير ما أقوله — ووصلتني رسالة غيّرت كل حاجة. "ارجعي. أنا منمتش من ساعة ما مشيتي." في الليلة دي فهمت إني ماعدتش مجرد الست اللي بتدي لراجل خطير مكان هادي يرتاح فيه. اسمي نورا حسن. عندي خمسة وعشرين سنة، وبشتغل في فهرسة الكتب النادرة في مكتبة صغيرة في وسط القاهرة. قبل ما يظهر ياسين المنشاوي في حياتي، أكبر مشكلة كانت بتواجهني هي تلف الرطوبة في نسخة نادرة من كتاب قديم. بعده، أكبر مشكلة بقت راجل يقدر ينهي مستقبل أي حد برسالة على الموبايل، وبينام على بُعد تلات خطوات من مكتبي. بدأ ييجي في شهر أكتوبر. الساعة عشرة وأربعين دقيقة تقريبًا كل ليلة، بعد ما أقفل الأبواب وأطفي نص الأنوار. خبطتين واطيين على الباب، خبطات راجل متعود إن الأبواب تفتح له بسرعة. قال أول ليلة، قبل حتى ما ألحق أسأله: "مش هلمس حاجة." راح قعد على كرسي القراءة جنب المدفأة، وقفل عينيه. وقفت ورا مكتبي وإيدي على التليفون، وأنا متأكدة إني على وشك أتعرض للسرقة. لكن ده ماحصلش. هو بس قعد هناك. وبعد عشرين دقيقة، نام. مااتصلتش بحد. لحد دلوقتي مش عارفة ليه. الليلة التانية، جه من غير ما يكون معاه أي حاجة. والليلة التالتة، حط كوبين شاي على الترابيزة الجانبية من غير حتى ما يسألني أنا بحب أنهي واحد. قال وهو بيشاور للكوب الأبسط: "بابونج. إنتِ بتشربيه كل ليلة حوالي الساعة تسعة. البارمان اللي في القهوة اللي على الناصية قال لي." بصيت له بصدمة. "إنت سألت الراجل في القهوة عن الشاي بتاعي؟" رد بمنتهى الهدوء: "أنا سألت ناس كتير عن حاجات كتير." مااعتذرش عن الموضوع. وبعدين كمل: "الأفضل تغيري للشاي الورق. اللي في الأكياس أغلبه تراب." بصيت له باستغراب. "دي تهديد ولا نصيحة؟" طرف شفايفه اتحرك، وكأنه كان بيحاول يبتسم. "نصيحة. أنا مابهددش الناس بسبب الشاي." مع نهاية الأسبوع الرابع، الموضوع بقى له نظام ثابت. كان بييجي. وأنا أكمل شغلي. وهو يسمعني وأنا بقرأ بصوت عالي، أو بصلح غلاف كتاب، أو أجادل بهدوء مع قاعدة بيانات المكتبة العنيدة. كتافه كانت بتنزل شوية. وبعدين شوية كمان. وبعدها كان ينام. وقبل نص الليل كان يمشي، ويركب عربية سودا ماكنتش بشوف أرقامها أبدًا. وفي يوم، ظهر راجل عند مكتبي من غير ما يخبط، وكأنه هو كمان مش مؤمن أصلًا بفكرة إن الأبواب لازم يتخبط عليها. كان عمه، محمود المنشاوي. بص ناحية الكرسي الفاضي جنب المدفأة، وبعدين قال: "إنتِ عارفة هو مين." رديت بحذر: "أنا عارفة اللي الناس بتقوله عنه." قال وهو ثابت بعينيه عليّ: "الناس عندها حق." وبعدين بص للكرسي تاني. "هو ماينمش تمان ساعات متواصلة بقاله ست سنين." سألته: "من ساعة مين؟" وشه اتغير شوية. "من ساعة أخوه مروان." سألته: "مين مروان؟" شفايفه اتشدت في ضيق. "اسأليه هو." وبعدين قرب خطوة وقال: "خلي بالك من نفسك وإنتِ بتدخلي حياة راجل زي ده يا آنسة نورا. الناس اللي بتهمه بيبقوا أهداف." سكت لحظة. "وأحيانًا بيبقوا الاتنين." ومشي قبل ما ألحق أرد عليه. في الليلة دي، ياسين جه متأخر. وكان في كدمة واضحة تحت عينه. وماشرحش سببها. قلت له: "عمك جه هنا." رد من غير ما يفتح عينيه: "أنا عارف." "وحذرني منك." فتح عينيه وبص لي. "ومش غلطان." بصيت له بعدم تصديق. "ده مش مطمّن خالص." قال بهدوء: "أنا ماجتش هنا عشان أطمنك." وسند راسه للخلف، وعينيه بدأت تتقفل من التعب. "أنا جيت هنا عشان دي الغرفة الوحيدة في المدينة دي اللي محدش مستنيني فيها عشان أكون شخص معين." كان المفروض أطلب منه مايرجعش. كان عندي رقم محقق شرطة محفوظ في تليفوني للسبب ده بالذات. لكن بدل ما أعمل كده، روحت وطفيت لمبة كمان، عشان المكان يبقى ضلمة كفاية إنه يعرف يرتاح فعلًا. نام بعد تسع دقايق. قعدت هناك فترة طويلة بعد ما نام، وأنا ببص لصدره وهو بيطلع وينزل بهدوء. كنت بفكر في كلام عمه. "أهداف." "وسيلة ضغط." "وأحيانًا الاتنين." فكرت أتصل بالمحقق. وفكرت أقفل المكتبة بدري في اليوم اللي بعده، وأتظاهر إن كل اللي حصل ده عمره ما بدأ. لكن ماعملتش ولا واحدة فيهم. بعد تلات أيام، سافرت إسكندرية عشان أحضر مؤتمر، وماقلتلوش. في البداية الموضوع ماحسيتش إنه مهم. تلات أيام بس. مكتبة هادية، هتفضل هادية شوية أطول. لكن في الليلة التانية، موبايلي نور برسالة من رقم عمره ما كان محفوظ عندي. "ارجعي. أنا منمتش من ساعة ما مشيتي." تمن كلمات. قريتهم أربع مرات. وقتها، الخوف اللي كان جوايا بدأ يتحول لحاجة تانية. حاجة لسه ماكانش عندي اسم آمن ليها. --- #حكايات_شروق_خالد نزلت الإسكندرية في نفس الليلة. القطار كان بيتحرك بسرعة وأنا عيني مش مفارقة الشباك ولا الشاشة اللي أضاءت بالرسالة. ثماني كلمات من ياسين المنشاوي كانوا كافيين يخلوني أسيب المؤتمر وأرجع القاهرة من غير ما أفكر مرتين. وصلت وسط البلد الساعة واحدة بعد نص الليل. الشوارع كانت فاضية، والأضواء الخافتة لمكتبتي كانت ظاهرة من بعيد. أول ما قربت، شفت العربية السوداء المركونة على الناصية. فتحت باب المكتبة بالمفتاح. الصوت المألوف لصرير الباب قطع الهدوء. كان قاعد في نفس المكان، على الكرسي جنب المدفأة الطافية، أيديه ساندة رأسه وعينيه مفهاش نقطة نوم، الملامح مجهدة جداً والهالات السودة تحت عينيه كانت أعمق من المرة اللي فاتت. أول ما شافني، وقف. "سافرتِ ليه من غير ما تقولي؟" نبرة صوته كانت هادية، بس شايلة ثقل التعب والحيرة. قربت خطوات منتظمة وحطيت شنطتي على المكتب. "عشان دي حياتي يا ياسين. مؤتمر أوراق نادرة، حاجة بشتغل عليها من شهور. وأنت... أنت مجرد زائر بييجي ينام ويمشي." خطى خطوة ناحيتي، وعينيه مثبتة في عيني: "أنا ما بنامش غير هنا. أنتِ مش زائر في حياتي، أنتِ المكان الوحيد اللي ما فيهوش حراسة ولا سلاح ولا كدب." بصيت له بثبات: "عمك قال لي إن اللي بيهموك بيبقوا أهداف. ومروان أخوك..." أول ما نطقت الاسم، جسمه اتشد كأنه اتضرب برصاصة. ملامحه اتحولت للجمود، لكن عينيه كان فيها وجع قديم مالي المكان. "مروان مات في المكان اللي كنت بأمنه له بنفسي," قالها بنبرة واطية وجافة. "من يومها والصداع ما بيقفش، والنوم بقا مستحيل... لحد ما دخلت المكتبة دي وسمعت صوت إيدك وهي بتقلب أوراق الكتب القديمة." سكت لحظة وقرب أكتر، لحد ما بقيت شايفها كل تفصيلة في وشه الشاحب: "أنا مش هسمح لحدد يمسك بسوء. ولا عمي ولا غيره. العقد اللي بيننا مش مكتوب، بس حمايتك بقت قصاد الهدوء اللي بتديهولي." مسك إيدي ببطء شديد، لمسة دافية خلت كل التوتر اللي جواه يهدى. "اقعدي كملي شغلك... وأنا هقعد هنا." قعدت على مكتبي، وفتحت الكتاب الأثري اللي كنت شغالة عليه. ياسين رجع لكرسيه، غمض عينيه، وفي خلال دقائق، أنفاسه بقت منتظمة وعميقة. بصيت له وأنا ماسكة القلم... وعرفت إن الحكايات القديمة اللي بصلحها في الكتب مش هي الوحيدة اللي محتاجة ترميم؛ ياسين المنشاوي كان كتاب مقفول ومحروق، وأنا الوحيدة اللي معاها المفتاح. حكايات شروق خالد مرت أسابيع على الليلة دي، والروتين بيننا ما بقاش مجرد حضور وسكون، بقى فيه لغة تانية خالص ما حدش في القاهرة يفهمها غيرنا. بقيت أعرف درجة تعب ياسين من طريقة خبطته على الباب. لو الخبطة ثقيلة، بعرف إن يومه في الموانئ والمكاتب كان مليان معارك، ولو الخبطة أهدى، بعرف إن الصداع واكل دماغه. وفي كل الحالات، كنت بسيب له الفنجان على الترابيزة—شاي ورق مظبوط—من غير ولا كلمة. في ليلة من ليالي ديسمبر الشديدة البرودة، المطرة كانت نازلة بغزارة على قزاز الشباك الكبير. ياسين كان قاعد على الكرسي، مش نايم المرة دي، لكنه كان بيبص لي وأنا بستخدم الغراء الخاص والمكبس الخشبي عشان أربط كعب كتاب قديم يعود للقرن الثامن عشر. قال فجأة بصوت هادي كأنه بيهمس لنفسه: "إيدك ثابتة جداً وأنتِ بتصلحي اللي انكسر." رفعت عيني له وابتسمت ابتسامة خفيفة: "الكتب القديمة عايشة على الصبر يا ياسين. الورق لما يدمّر، لو استعجلت عليه يتقطع أكتر. لازم تديه وقته عشان يقبل المادة الجديدة ويتمسك بيها." سكت لحظة، وبص لإيديه الكبيرة المشدودة، وبعدين رفع عينيه لي وقال بنبرة مليانة عمق: "تفتكري البني آدمين زي الكتب؟ ينفع يترمموا بنفس الصبر؟" نزلت المكبس من إيدي، وقربت خطوات بسيطة ووقفت قدام الكرسي بتاعه: "البني آدمين أسهل وأصعب في نفس الوقت... أسهل لأنهم عايزين حد يسمعهم، وأصعب لأنهم بيخافوا يورّوا أجزائهم المكسورة لأي حد." في اللحظة دي، تلفونه رن. نغمة حادة كسرت الهدوء. ياسين بص للشاشة، وملامحه الدافية اختفت في ثانية، وحل محلها القناع الصارم لـ "ياسين المنشاوي". رد بكلمة واحدة: "تكلم." سمع اللي بيتقال على الناحية التانية، وعينيه مثبتة عليا. الدقيقة دي كانت أطول دقيقة مرت في المكتبة. قفل الخط وبص لي بهدوء يرعب: "عمي محمود بيحاول يلعب لعبة غبية... فاكر إن نقلك أو الضغط عليكِ هيخليني أتنازل عن حقي في الشركة." قلبي اتنفض، بس وحشيتش بالخوف زي زمان. وقفت بثبات وسألته: "وأنت هتعمل إيه؟" ياسين وقف بطوله الفارع، وقرب مني لحد ما المسافة بيننا بقت شبه معدومة. حط إيده ببطء شديد على كتفي، لمسة حامية وحريصة في نفس الوقت: "هعمل اللي كان المفروض أعمله من زمان... أنا مش هسيب حد يهدد المكان الوحيد اللي بعرف أتنفس فيه. من بكرة، المكتبة دي هتبقى تحت حمايتي بشكل رسمي، وأنتِ يا نورا... هتبقي الخط الأحمر اللي لو حد فكر يتخطاه، القاهرة كلها هتولع تحت رجليه." بصيت في عينيه، وما شفتش وحش ولا زعيم مافيا... شفت راجل مستعد يحارب الدنيا كلها عشان يحافظ على المأمن الوحيد لقلبه. حكايات شروق خالد الخبر انتشر في السوق زي النار في الهشيم. رجال محمود المنشاوي فهموا الرسالة كويس لما لقوا الحراسة المشددة واقفة على أطراف الشارع اللي فيه المكتبة، مش بشكل فج يضايق الزباين، لكن بوجود يخلي أي حد يفكر ألف مرة قبل ما يرمي مجرد نظرة مش مظبوطة الناحية دي. في الليلة اللي بعدها، دخل ياسين المكتبة. المرة دي ما كانش باين عليه التعب، كانت ملامحه حادة ورسمية، بس أول ما الباب اتقفل وراه، كتافه نزلت ورجعت له هيبته الدافية معايا. حط ملف أسود تقيل على مكتبي. بصيت للملف باستغراب: "إيه ده يا ياسين؟" قعد على طرف المكتب وقرب مني: "دي الأوراق الرسمية للمكتبة والمبنى كله. محمود كان بيحاول يشتري عقد الإيجار عشان يضغط عليكِ وتخليه يساومني... أنا اشتريت المبنى بالكامل وكتبته باسمك يا نورا." شهقت ورفعت عيني له بصدمة: "كتبته باسمي؟ أنت اتجننت؟ المكان ده يسوى ملايين!" ابتسم ابتسامة خفيفة، ونزل لإستوى عيني وقال بمنتهى الهدوء: "الملايين دي ولا حاجة قصاد الساعتين اللي بنامهم هنا وأنا مرتاح. ده مش ثمن أمانك... ده ثمن أماني أنا. المكان ده بقى بتاعك، ومفيش مخلوق يقدر يخرجك منه أو يهددك فيه." إيدي كانت بتترعش وأنا بمسك أوراق الملكية، وبصيت له وسألته بصوت واطي: "وليه تعمل كل ده؟ أنت كان ممكن تنقلني أي مكان تاني أو تحميني بطريقتك..." مسك إيدي الثابتة اللي بصلح بيها الكتب، وضغط عليها ببطء: "علشان أنا مش عايز أحميكِ كأنك أثر خايف عليه يتكسر... أنا بحميكِ لأنك بقيتي الجزء الوحيد الحقيقي في حياتي. أنا طول عمري عايش في وسط ناس بتبص لي كـ 'زعيم المافيا' أو 'ياسين المنشاوي' اللي بيدير الموانئ... أنتِ الوحيدة اللي شفتي ياسين البني آدم، ومسكتِ إيده وهو مكسور." سكت لحظة وهو بيبص في عيني بصدق هز كل كياني: "النوم اللي كنت بدور عليه ما كانش في الهدوء بتاع المكتبة يا نورا... النوم والسلام كان في وجودك أنتِ." في الليلة دي، ما قعدش على الكرسي اللي جنب المدفأة. قعد جنبي على الكرسي المزدوج ورا المكتب، حط رأسه على كتفي ببطء، وفي خلال ثواني، أنفاسه بقت منتظمة وهادية. وأنا قاعدة بقلب صفحات الكتاب القديم بإيد واحدة، وعيني عليه... عرفت إن القصة دي ما بقتش عن خوف ولا عن خطورة، دي بقت قصة ترميم لقلبين؛ قلب كان فاكر إنه ملوش مأمن، وقلب تاني كان خايف يحب راجل كل حياته حرب. حارس المكتبة والمنشاوي حكايات شروق خالد