حارس المكتبة والمنشاوي حكايات شروق خالد

كان بييجي.

وأنا أكمل شغلي.

وهو يسمعني وأنا بقرأ بصوت عالي، أو بصلح غلاف كتاب، أو أجادل بهدوء مع قاعدة بيانات المكتبة العنيدة.

كتافه كانت بتنزل شوية.

وبعدين شوية كمان.

وبعدها كان ينام.

وقبل نص الليل كان يمشي، ويركب عربية سودا ماكنتش بشوف أرقامها أبدًا.

وفي يوم، ظهر راجل عند مكتبي من غير ما يخبط، وكأنه هو كمان مش مؤمن أصلًا بفكرة إن الأبواب لازم يتخبط عليها.

كان عمه، محمود المنشاوي.

بص ناحية الكرسي الفاضي جنب المدفأة، وبعدين قال:

“إنتِ عارفة هو مين.”

رديت بحذر:

“أنا عارفة اللي الناس بتقوله عنه.”

قال وهو ثابت بعينيه عليّ:

“الناس عندها حق.”

وبعدين بص للكرسي تاني.

“هو ماينمش تمان ساعات متواصلة بقاله ست سنين.”

سألته:

“من ساعة مين؟”

وشه اتغير شوية.

“من ساعة أخوه مروان.”

سألته:

“مين مروان؟”

شفايفه اتشدت في ضيق.

“اسأليه هو.”

وبعدين قرب خطوة وقال:

“خلي بالك من نفسك وإنتِ بتدخلي حياة راجل زي ده يا آنسة نورا. الناس اللي بتهمه بيبقوا أهداف.”

سكت لحظة.

“وأحيانًا بيبقوا الاتنين.”

ومشي قبل ما ألحق أرد عليه.

في الليلة دي، ياسين جه متأخر.

وكان في كدمة واضحة تحت عينه.

وماشرحش سببها.

قلت له:

“عمك جه هنا.”

رد من غير ما يفتح عينيه:

“أنا عارف.”

“وحذرني منك.”

فتح عينيه وبص لي.

“ومش غلطان.”

بصيت له بعدم تصديق.

“ده مش مطمّن خالص.”

قال بهدوء:

“أنا ماجتش هنا عشان أطمنك.”

وسند راسه للخلف، وعينيه بدأت تتقفل من التعب.

“أنا جيت هنا عشان دي الغرفة الوحيدة في المدينة دي اللي محدش مستنيني فيها عشان أكون شخص معين.”

كان المفروض أطلب منه مايرجعش.

كان عندي رقم محقق شرطة محفوظ في تليفوني للسبب ده بالذات.

لكن بدل ما أعمل كده، روحت وطفيت لمبة كمان، عشان المكان يبقى ضلمة كفاية إنه يعرف يرتاح فعلًا.

نام بعد تسع دقايق.

قعدت هناك فترة طويلة بعد ما نام، وأنا ببص لصدره وهو بيطلع وينزل بهدوء.

كنت بفكر في كلام عمه.

“أهداف.”

“وسيلة ضغط.”

“وأحيانًا الاتنين.”

فكرت أتصل بالمحقق.

وفكرت أقفل المكتبة بدري في اليوم اللي بعده، وأتظاهر إن كل اللي حصل ده عمره ما بدأ.

لكن ماعملتش ولا واحدة فيهم.

بعد تلات أيام، سافرت إسكندرية عشان أحضر مؤتمر، وماقلتلوش.

في البداية الموضوع ماحسيتش إنه مهم.

تلات أيام بس.

مكتبة هادية، هتفضل هادية شوية أطول.

لكن في الليلة التانية، موبايلي نور برسالة من رقم عمره ما كان محفوظ عندي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *