حارس المكتبة والمنشاوي حكايات شروق خالد

حكايات شروق خالد

الخبر انتشر في السوق زي النار في الهشيم.
رجال محمود المنشاوي فهموا الرسالة كويس لما لقوا الحراسة المشددة واقفة على أطراف الشارع اللي فيه المكتبة، مش بشكل فج يضايق الزباين، لكن بوجود يخلي أي حد يفكر ألف مرة قبل ما يرمي مجرد نظرة مش مظبوطة الناحية دي.
في الليلة اللي بعدها، دخل ياسين المكتبة.
المرة دي ما كانش باين عليه التعب، كانت ملامحه حادة ورسمية، بس أول ما الباب اتقفل وراه، كتافه نزلت ورجعت له هيبته الدافية معايا. حط ملف أسود تقيل على مكتبي.
بصيت للملف باستغراب:
“إيه ده يا ياسين؟”
قعد على طرف المكتب وقرب مني:
“دي الأوراق الرسمية للمكتبة والمبنى كله. محمود كان بيحاول يشتري عقد الإيجار عشان يضغط عليكِ وتخليه يساومني… أنا اشتريت المبنى بالكامل وكتبته باسمك يا نورا.”
شهقت ورفعت عيني له بصدمة:
“كتبته باسمي؟ أنت اتجننت؟ المكان ده يسوى ملايين!”
ابتسم ابتسامة خفيفة، ونزل لإستوى عيني وقال بمنتهى الهدوء:
“الملايين دي ولا حاجة قصاد الساعتين اللي بنامهم هنا وأنا مرتاح. ده مش ثمن أمانك… ده ثمن أماني أنا. المكان ده بقى بتاعك، ومفيش مخلوق يقدر يخرجك منه أو يهددك فيه.”
إيدي كانت بتترعش وأنا بمسك أوراق الملكية، وبصيت له وسألته بصوت واطي:
“وليه تعمل كل ده؟ أنت كان ممكن تنقلني أي مكان تاني أو تحميني بطريقتك…”
مسك إيدي الثابتة اللي بصلح بيها الكتب، وضغط عليها ببطء:
“علشان أنا مش عايز أحميكِ كأنك أثر خايف عليه يتكسر… أنا بحميكِ لأنك بقيتي الجزء الوحيد الحقيقي في حياتي. أنا طول عمري عايش في وسط ناس بتبص لي كـ ‘زعيم المافيا’ أو ‘ياسين المنشاوي’ اللي بيدير الموانئ… أنتِ الوحيدة اللي شفتي ياسين البني آدم، ومسكتِ إيده وهو مكسور.”
سكت لحظة وهو بيبص في عيني بصدق هز كل كياني:
“النوم اللي كنت بدور عليه ما كانش في الهدوء بتاع المكتبة يا نورا… النوم والسلام كان في وجودك أنتِ.”
في الليلة دي، ما قعدش على الكرسي اللي جنب المدفأة.
قعد جنبي على الكرسي المزدوج ورا المكتب، حط رأسه على كتفي ببطء، وفي خلال ثواني، أنفاسه بقت منتظمة وهادية.
وأنا قاعدة بقلب صفحات الكتاب القديم بإيد واحدة، وعيني عليه… عرفت إن القصة دي ما بقتش عن خوف ولا عن خطورة، دي بقت قصة ترميم لقلبين؛ قلب كان فاكر إنه ملوش مأمن، وقلب تاني كان خايف يحب راجل كل حياته حرب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *