اتهموها بالسرقة وهي عندها 85 سنة ج 1 حكايات شروق خالد

فرد الأمن مد إيده ناحية الصورة، لكنه وقف قبل ما يلمسها، وكأنه خايف.

وقال بصوت مخنوق:

ـ الولد اللي في الصورة ده… أنا.

أمي قربت الصورة من عينيها، وفضلت تبص فيها شوية، وبعدها رفعت عينيها للراجل.

ـ إنت… إنت أحمد؟!

الراجل هز راسه بسرعة، وانفجر في العياط.

ـ أيوه يا أبلة فاطمة! أنا أحمد يا أبلة! أحمد اللي حضرتك كنتِ بتدرّسي له في ابتدائي من أكتر من خمسين سنة!

أمي حطت إيدها على صدرها، وفضلت تبصله كأنها مش مصدقة.

ـ يا نهار أبيض! أحمد بتاعنا؟! إنت كبرت وبقيت راجل يا ابني!

أحمد غطّى وشه بإيديه، وفضل يعيط وهو بيقول:

ـ كبرت يا أبلة… بس عمري ما نسيتك، ولا نسيت اللي عملتيه معايا.

الناس اللي كانت واقفة بتصوّر بدأت تنزل موبايلاتها، وكلهم بقوا بيسمعوا في صمت.

أنا بصيت لأحمد وقلتله:

ـ طيب فهمنا، إيه حكاية الصورة دي؟ وإيه اللي خلاك تنهار أول ما شفتها؟

أحمد أخد نفس طويل، وبص لأمي، وبعدها بدأ يحكي.

ـ أنا كنت طفل فقير أوي يا مدام. أبويا مات وأنا عندي سبع سنين، وأمي كانت بتشتغل في البيوت علشان تصرف عليّا وعلى إخواتي. في أيام كتير كنت بروح المدرسة من غير فطار، وساعات كنت بروح بنفس الهدوم القديمة لأني ما كانش عندي غيرها.

أمي هزت راسها بحزن، وقالت:

ـ فاكرة يا أحمد، فاكرة كل حاجة. كنت ولد شاطر، بس كنت دايمًا ساكت وحزين.

كمل أحمد وهو بيعيط:

ـ في يوم من الأيام، واحد من المدرسين اتهمني إني سرقت فلوس من شنطته. فتشوني قدام الفصل كله، والعيال فضلت تضحك عليّا. وأنا والله ما كنت سرقت حاجة. كنت عايز أموت من الكسوف، وقررت إني مش هرجع المدرسة تاني.

أمي غمضت عينيها، وكأنها رجعت بالزمن لليوم ده.

أحمد كمل:

ـ حضرتك الوحيدة اللي وقفتي جنبي. طلبتي من المدرس يسكت، وخدتيّ على جنب، وفضلتي تسمعيني لحد ما عرفتي إني بريء. وبعدها جبتيلي كشكول جديد وشنطة، وقلتيلي جملة عمري ما نسيتها.

أمي ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:

ـ قلتلك إيه يا ابني؟

أحمد رفع عينيه ليها، وقال:

ـ قلتيلي: «يا أحمد، الفقر مش عيب، واللي معاه فلوس مش أحسن من اللي ما معهوش. أهم حاجة إنك تفضل أمين، وما تسمحش لحد يخليك تشك في نفسك طول ما إنت عارف إنك ما غلطتش».

صوته اتكسر، وكمل:

ـ وفي نفس السنة، أمي تعبت ودخلت المستشفى، وما كانش معانا فلوس نجيب الدوا. حضرتك عرفتي بالموضوع، وساعدتينا من غير ما حد يعرف، وحتى لما أمي خفت، فضلتي تتابعي معايا وتسألي عني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *