اتهموها بالسرقة وهي عندها 85 سنة ج 2 حكايات شروق خالد
وبعد ما عدى شهرين على افتتاح المركز، حصل موقف محدش فينا كان يتوقعه، موقف رجّع أمي لذكريات قديمة كانت فاكرة إنها نسيتها للأبد.
في يوم من الأيام، كنت قاعدة معاها في الصالة، وهي بتقلّب في صور التلاميذ اللي بييجوا المركز، وفجأة تليفونها رن.
ردت، وسمعتها بتقول:
ـ ألو، أيوه يا حبيبي… مين معايا؟
سكتت شوية، وبعدها ملامح وشها اتغيّرت.
ـ إنت ابن مين يا ابني؟!
قربت منها وأنا قلبي اتقبض، لقيتها حاطة إيدها على صدرها وبتحاول تستوعب الكلام اللي بتسمعه.
قالت بصوت بيرتعش:
ـ ابن محمود؟! محمود عبد السلام؟!
أول ما قالت الاسم ده، عينيها اتمَلوا بالدموع.
قفلت المكالمة، وفضلت ساكتة.
قعدت جنبها وسألتها:
ـ يا ماما، مين محمود ده؟ وإيه اللي حصل؟
بصتلي وقالت:
ـ محمود كان تلميذ عندي من أكتر من خمسين سنة. ولد يتيم، وظروفه كانت صعبة جدًا. كنت بساعده على قد ما أقدر، وبعد ما خلص المدرسة، اختفى ومسمعتش عنه أي أخبار.
سألتها: ـ طب واللي كلمك ده ابنه؟
هزت راسها وقالت: ـ أيوه، بيقول إن أبوه تعبان في المستشفى، وإنه طول عمره بيدوّر عليّا، ونفسه يشوفني قبل ما يموت.
ما استنتش لحظة. لبست طرحتها، وخدتني معاها، وطلبت من أحمد ييجي ياخدنا بالعربية.
طول الطريق، أمي كانت ساكتة، ماسكة الصورة القديمة اللي فيها تلاميذها، وبتبص فيها وكأنها بتدور على وش محمود وسط الأطفال.
وصلنا المستشفى، واستقبلنا شاب في أواخر الأربعينات من عمره.
أول ما شاف أمي، قرب منها بسرعة وقال:
ـ حضرتك الأستاذة فاطمة؟
أمي ردت وهي بتبصله بلهفة:
ـ أيوه يا ابني، أبوك فين؟!
قال: ـ في الأوضة دي يا أبلة، بس هو تعبان جدًا.
دخلنا الأوضة، ولقينا راجل كبير في السن نايم على السرير، وشه شاحب، وإيده فيها محاليل.
أول ما سمع صوت أمي، فتح عينيه بالعافية.
بص ناحيتها، وفضل مركز معاها لثواني، وبعدها دموعه نزلت.
ـ أبلة فاطمة… إنتِ جيتي فعلًا؟!
أمي قربت من السرير، ومسكته من إيده.
ـ أيوه يا محمود، جيت يا حبيبي. هو أنا أنساك؟!
محمود حاول يبتسم، وقال بصوت ضعيف:
ـ أنا كنت عارف إنك مش هتنسي تلميذك القديم.
أمي بدأت تعيط وهي بتقول:
ـ حقك عليّا يا ابني، والله ما كنت أعرف عنك حاجة. لو كنت أعرف إنك تعبان، كنت جيتلك من زمان.
هز راسه وقال:
ـ إنتِ ما عليكيش ذنب يا أبلة. أنا اللي بعدت عن الناس كلها، لكن عمري ما نسيتك.



