اتهموها بالسرقة وهي عندها 85 سنة ج 2 حكايات شروق خالد

وبعدين بص لابنه وقال:

ـ يا كريم، هاتلي الشنطة اللي جنبك.

ابنه جاب شنطة جلد قديمة، وفتحها، وطلع منها كراسة صغيرة، لونها أصفر من كتر السنين.

محمود مد إيده ناحية الكراسة وقال:

ـ دي كراسة التعبير بتاعتي من سنة 1975. فاكرة يا أبلة لما طلبتي مننا نكتب موضوع بعنوان «نفسي أبقى إيه لما أكبر»؟

أمي ابتسمت وسط دموعها.

ـ أيوه طبعًا، فاكرة.

قال محمود:

ـ أنا كتبت وقتها إني نفسي أبقى دكتور، علشان أعالج الناس الفقرا اللي مش معاهم فلوس. المدرس التاني ضحك عليّا وقاللي إني مش هقدر أبقى حاجة، لكن إنتِ كتبتيلي تحت الموضوع جملة واحدة.

أمي سألت بفضول:

ـ كتبتلك إيه؟

فتح محمود الكراسة بصعوبة، وأشار لسطر قديم مكتوب بخط أمي:

«يا محمود، يمكن طريقك يكون صعب، لكن طول ما إنت مؤمن بنفسك وبتجتهد، محدش يقدر يحدد مستقبلك غيرك».

محمود بص لها وقال:

ـ الجملة دي كانت معايا في كل مرحلة من حياتي. ولما دخلت كلية الطب، كنت فاكر كلامك. ولما اتخرجت، افتكرتك. ولما عالجت أول طفل فقير من غير ما آخد منه فلوس، حسيت إني حققت الحلم اللي كتبته في الكراسة دي.

أمي كانت بتبكي ومش قادرة تتكلم.

لكن محمود مسك إيدها وقال:

ـ أنا مش زعلان إني تعبت يا أبلة. أنا زعلان إني ما لحقتش أقولك شكرًا قبل ما الوقت يجري بينا.

أمي انحنت عليه وباست راسه.

ـ إنت ما تدينليش بشكر يا ابني. أنا عملت اللي أي مُدرّسة المفروض تعمله.

في اللحظة دي، ابنه كريم قرب مننا وقال:

ـ في حاجة تانية لازم تعرفيها يا أبلة فاطمة.

طلع من جيبه جواب مختوم، وقدّمه لأمي.

ـ بابا كاتب الجواب ده من سنين، وموصيني ما أديهولكيش غير لما ألاقيكي.

أمي فتحت الجواب بإيد بتترعش، وبدأت تقرأ.

ومع كل سطر، ملامح وشها كانت بتتغير.

لأن محمود ما كانش كاتب مجرد رسالة شكر.

كان كاتب سرًّا احتفظ بيه أكتر من خمسين سنة، سرًّا يخص طفلًا صغيرًا كان بيدرس في نفس المدرسة، واختفى فجأة في ظروف غامضة.

ولما أمي وصلت لآخر سطر، رفعت عينيها لمحمود وقالت بصدمة:

ـ إنت بتقول إيه يا محمود؟! يعني الولد ده كان عايش طول السنين دي، وإنت كنت عارف مكانه؟!

محمود غمض عينيه، ودمعة نزلت على خده.

وقال بصوت ضعيف:

ـ أيوه يا أبلة… وكنت مستني الوقت المناسب علشان أقولك الحقيقة.

يتبع…
أمي فضلت واقفة مكانها، ماسكة الجواب بإيديها، وعينيها بتتنقل بين الكلام المكتوب ووش محمود اللي كان باين عليه التعب والندم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *