حكايات شروق خالد
فتح عينيه وبص لها بحدة.
“إنتِ عملتي إيه؟”
وقفت سلمى عن الدندنة.
“ولا حاجة.”
“الألم خف.”
“يمكن علشان بطلت تشد جسمك.”
“أنا أعرف جسمي.”
“وأنا أعرف الصداع اللي بييجي من التوتر.”
بصلها للحظات، ثم قال ببرود:
“مين سمح لك تتكلمي معايا بالطريقة دي؟”
ردت وهي بتقوم من على الكرسي:
“ولا حد. بس أنت رميت كوباية عليا من شوية، فاعتبرنا الحساب اتقفل.”
لأول مرة، ظهر شيء يشبه الدهشة على وشه.
سلمى بدأت تجمع قطع الزجاج من الأرض.
قال ياسين:
“سيبيها.”
“ليه؟”
“هتنجرحي.”
“أنا طول عمري بجمع حاجات مكسورة.”
سكت.
الجملة كانت بسيطة، لكنها لمست شيئًا داخله.
نظر إلى يديها.
كان فيهما آثار جروح صغيرة وخشنة من شغل البيت.
“إنتِ اشتغلتي إيه قبل كده؟”
رفعت رأسها.
“كل حاجة.”
“يعني؟”
“نظفت بيوت، اشتغلت في مطبخ، غسلت هدوم، واشتغلت في محل حلويات.”
ثم ابتسمت بسخرية.
“بس دي أول مرة أشتغل عند واحد بيرمي كوبايات على الناس.”
كاد ياسين يبتسم.
لكنه أخفى الأمر بسرعة.
في تلك اللحظة، دخل الحارس محمود دون أن يطرق الباب.
“باشا…”
رفع ياسين يده.
“اخرج.”
تجمد محمود.
“بس—”
“قلت اخرج.”
خرج فورًا وأغلق الباب.
سلمى نظرت إلى ياسين.
“هو كان عايز يقولك حاجة.”
“مش مهمة.”
“واضح إنها مهمة.”
رفع عينيه إليها.
“إنتِ هنا علشان تنظفي، مش علشان تعرفي شغلي.”
هزت رأسها.
“وأنت هنا علشان ترتاح، مش علشان تخوفني.”
ساد الصمت.
ثم قال ياسين:
“إنتِ مش خايفة مني؟”
فكرت سلمى لحظة.
“بصراحة؟”
“آه.”
“أنا خايفة على أخويا أكتر.”
تغيرت ملامحه.
“أخوكِ؟”
“عنده إصابة محتاجة علاج طويل.”
“وعلشان كده قبلتي الشغل هنا؟”
“أيوه.”
“وإنتِ عارفة أنا مين؟”
نظرت إليه.
“عرفت إنك ياسين المنصوري.”
“وده كل اللي تعرفيه؟”
“الناس قالت إنك خطير.”
اقترب منها بنظرة باردة.
“ومصدقاهم؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
“لو كنت خطير للدرجة اللي بيقولوا عليها، كنت قتلتني لما دخلت.”
ظل ينظر إليها طويلًا.
ثم قال:
“اطلعي.”
“حاضر.”
توقفت عند الباب.
“بس خد الدوا.”
اشتعل الغضب في عينيه.
“قلت لك ممنوع تجيبي سيرته.”
“وأنا قلت لك خد الدوا.”
“إنتِ عايزة تموتي؟”
فتحت الباب، ثم التفتت إليه.
“لا. عندي أخ محتاجني.”
ثم خرجت.
ظل ياسين وحده.
نظر إلى الباب المغلق.
ولأول مرة منذ سنوات، وجد نفسه يفكر في امرأة لم تهرب منه.
في صباح اليوم التالي، استيقظ القصر كله على شيء غريب.



