اليتيمة ج1 حكايات شروق خالد
«خَمِّن أنا مين!» فجأة، إيدين صغيرين ساقعين غطّوا عينيّا من ورا. رجالة الحراسة بتوعي اتحركوا في نفس اللحظة.«يا باشا!» صرخ محمود وهو بيجري ناحيتي، بينما حسام مدّ إيده تحت الجاكيت بتاعه. رفعت صباعين من إيدي وقلت بصرامة: «محدش يتحرك! » كلهم وقفوا مكانهم فورًا. أنا اسمي ياسين الجبالي.
في القاهرة، اسمي لوحده كان كفاية يخلي رجالة كتير تحسب ألف حساب قبل ما تفكر تعترض طريقي. كنت راجل محدش بيقدر يقرب منه من غير إذنه، واللي كان بيتجرأ ويتحداني، نادرًا ما كان بيكرر غلطته تاني. لكن الإيدين الصغيرين اللي كانوا مغطّيين عينيّا كانت ريحتهم زبدة وشوكولاتة.
سمعت صوت طفلة بتضحك وتقول بدلع: «يلا بقى! خَمِّن أنا مين!» الصبح ده، كنت لسه راجع من جنازة محمود السيوفي. محمود ماكانش مجرد راجل بيشتغل عندي، ده كان مستشاري وأقرب واحد ليا، والمسؤول عن المينا والشغل الكبير بتاعي.
ويمكن كمان كان الراجل الوحيد اللي عنده الجرأة إنه يوقفني ويقولي إني بقيت قاسي زي أبويا بالظبط. سرطان الرئة أكله واحدة واحدة، لحد ما مـ,ـات وسابني لوحدي. بعد الجنازة، طلبت من السواق ينزلني عند حديقة عامة في الزمالك، وقلت للحراسة تسيبني شوية لوحدي.
كنت محتاج أتنفس بعيد عن الدوشة، ويمكن الهوا البارد يهدّي النار اللي كانت جوايا. كان فيه ملف مهم خاص بشحنة بحرية محطوط جنبي، وأوراق شجر صفرا بتتطاير على الأرض حوالين البركة. وفجأة، لقيت نفسي قدام موقف غريب!
طفلة صغيرة قدرت تعدّي من وسط رجالة الحراسة بتوعي، ووصلت لحد عندي من غير ما حد ياخد باله. قلت وأنا بابتسم ابتسامة خفيفة: «خلاص، أنا استسلمت. مين بقى يا ستي؟» الطفلة ضحكت بصوت عالي، وشالت إيديها من على عينيّا.
لفّيت وشي وبصيت لها. كانت بنت صغيرة، عمرها ما يكملش خمس سنين. لابسة بلوفر أحمر قديم ومقطوع من عند الكوعين، وشعرها بني مائل للأحمر ومضفور ضفيرتين مش متظبطين. وفي رجليها كوتشي قديم، رباط واحدة منهم مربوط بعقدتين كبار.
كانت حضنة كيس ورق بني، باين منه ريحة بسكويت لسه طالع من الفرن. أول ما شافتني، ابتسمت ابتسامة واسعة، لكن الابتسامة دي اختفت فجأة من على وشها. بصت لي باستغراب وهمست: «إنت مش عم حسن!» نزلت من على الكرسي بسرعة، وقعدت على ركبتي عشان أبقى في مستوى عينيها.
