«أمي نايمة بقالها تلات أيام»: بنت عندها ست سنين زقّت عربية يد مسافة طويلة عشان تنقذ إخواتها التوأم لسه مولودين — واللي حصل بعدها خلّى الكل يتصدم...أول ما موظفة الاستقبال في الطوارئ سمعت صوت عربية بتتحرك وصريرها بيقطع سكون المكان، رفعت راسها بسرعة، وهي فاكرة إن عيل صغير داخل بيلعب بعربية لعبة. لكن صوت الصرير اتكرر تاني. المرة دي بصّت كويس، واتصدمت. كانت بنت صغيرة واقفة بكل قوتها، ماسكة في مقابض عربية اليد بإيديها الاتنين، وبتزق فيها بصعوبة. جوا العربية كان فيه طفلين صغيرين جدًا، متلفين في فوط ومناشف مش شبه بعض، واضح إنهم لسه مولودين. واحد منهم طلع صوت ضعيف جدًا، والتاني كان ساكت تقريبًا ومش بيتحرك. البنت كان عندها حوالي ست سنين، لابسة جزمة رياضية قديمة وهدوم واسعة عليها، ووشها أحمر من كتر المشي والتعب. الغريب إنها ما كانتش بتعيط. موظفة الاستقبال قامت من مكانها وقربت منها بسرعة. "يا حبيبتي... ماما فين؟" البنت بلعت ريقها وقالت بصوت واطي: "في البيت." الموظفة قربت منها أكتر."طب فين البيت؟ ومين اللي جابك هنا؟" البنت بصّت للعربية وقالت: "أنا جيت لوحدي." في اللحظة دي، ممرضة كانت خارجة من ورا المكتب وقربت منهم. بصّت على الطفلين، وبعدين بصّت للبنت. "بقالهم قد إيه كده؟" البنت رفعت تلات صوابع. الممرضة سكتت."تلات أيام؟" البنت هزت راسها."آه." موظفة الاستقبال اتخضت لدرجة إنها رجعت بالكرسي لورا بسرعة وهي بتقوم. ممرضة تانية فتحت باب الطوارئ على طول، وممرضة تالتة نزلت على ركبتها جنب البنت عشان تبقى في نفس طولها وما تخضهاش. وقالت لها بهدوء: "بصي يا حبيبتي، ينفع أشيل البيبيهات؟" البنت مسكت مقابض العربية أكتر."الاتنين؟" الممرضة ابتسمت لها بحنان."أيوه، الاتنين. هنخليهم جنب بعض، محدش هيفرقهم." البنت فضلت ساكتة كام ثانية. وبعدين إيديها الصغيرة سابت المقابض واحدة واحدة. الممرضات شالوا التوأم بسرعة ودخلوا بيهم جوه. الفريق الطبي بدأ يتحرك في كل اتجاه. بطاطين دافية، أجهزة، أكسجين، وممرضة بتجري تنادي الدكتور. واضح إن الطفلين كانوا محتاجين رعاية بسرعة. وفي وسط كل ده، واحدة من الممرضات رجعت للبنت وسألتها: "يا حبيبتي، في حد كبير معاكي في البيت؟ " البنت هزت راسها."لأ." "بابا؟" هزت راسها تاني."مفيش." "طب مين موجود؟" قالت بمنتهى البراءة: "ماما بس." الممرضة نزلت لمستواها أكتر."طب حد وصّلك هنا بالعربية؟" البنت بصتلها باستغراب."لأ." "طب إنتي جيتي إزاي؟" البنت بصّت ناحية عربية اليد. وقالت: "زقيتها. " الممرضة فضلت باصة لها ثواني، كأنها مش مستوعبة اللي سمعته. "إنتي... زقيتي العربية دي لحد هنا؟" البنت هزت راسها."آه." ومن هنا كل حاجة اتغيرت. التوأم دخلوا غرفة العلاج، لكن البنت فضلت واقفة مكانها. كانت بتبص على الباب اللي دخلوا منه إخواتها، ومش قادرة تشيل عينيها عنه. فضلت تفرك إيديها في هدومها، كأنها لسه حاسة بمقابض العربية في إيديها. موظفة الاستقبال قعدت جنبها وسألتها بهدوء: "قوليلي يا حبيبتي... إيه اللي حصل في البيت؟" البنت بدأت تحكي."أنا حاولت أصحي ماما." "إزاي؟" "رشيت عليها مية." الموظفة بلعت ريقها."وبعدين؟" "جبتلها الأكل." "وماما ما قامتش؟" هزت راسها."لأ. " "عملتي إيه تاني؟" قالت: "هزيت كتفها." وسكتت شوية، وبعدين قالت: "بس ماما ما صحيتش." البنت ما كانتش فاهمة يعني إيه إغماء، ولا يعني إيه إن حد يفقد الوعي. كل اللي كانت فاهمه إن ماما نايمة بقالها وقت طويل أوي. أطول من أي نوم شافته قبل كده. " وسكتت شوية، وبعدين قالت: "بس ماما ما صحيتش." البنت ما كانتش فاهمة يعني إيه إغماء، ولا يعني إيه إن حد يفقد الوعي. كل اللي كانت فاهمه إن ماما نايمة بقالها وقت طويل أوي. أطول من أي نوم شافته قبل كده. وقالت لهم إنها فضلت جنب أمها يومين كاملين. لكن في اليوم التالت، حصلت حاجة خوفتها. واحد من التوأم بقى ساكت أوي. هادئ زيادة عن اللزوم. ما بقاش بيعمل صوت. وقتها البنت خافت. وقالت لنفسها إن لازم تعمل حاجة. لازم تروح لمكان الناس فيه بتتعالج. لفت إخواتها الصغيرين كويس، وحطتهم في عربية اليد، وبدأت تزق. مشيت في الشوارع وهي بتتعب، بس ما وقفتش. لحد ما وصلت للمستشفى. موظفة الاستقبال كانت لسه مش مستوعبة اللي البنت عملته. سألتها: "طب يا حبيبتي... بيتكم فين؟" البنت سكتت. "تعرفي العنوان؟" هزت راسها."لأ." الموظفة بدأت تقلق."طب نقدر نوصل له إزاي؟" البنت قالت: "أنا عارفة الطريق." وبدأت توصف لهم. "بعد صندوق البريد الكبير... نمشي في الطريق الطويل... وبعدين نلف عند المكان اللي فيه شجرة كبيرة..." كانت بتفتكر الطريق واحدة واحدة. وفي الوقت نفسه، فريق الإسعاف بدأ يجهز نفسه عشان يروح معاها. وفجأة، البنت حطت إيدها جوه ياقة الجاكيت اللي لابساه. طلعت حاجة صغيرة مربوطة في خيط. كان مفتاح البيت. المسعف بص للمفتاح. وبعدين بص للبنت. نزل على ركبته قدامها ومد إيده."ممكن آخد المفتاح ده يا حبيبتي؟" البنت بصت لإيده. وبعدين بصت ناحية باب الطوارئ اللي دخل منه إخواتها. المسعف قال لها: "هنروح نجيب ماما ونساعدها، حاضر؟" البنت فضلت ساكتة لحظة. وبعدين شالت الخيط من رقبتها ومدت المفتاح للمسعف. وقالت بصوت صغير: "بس... هاتوا ماما كمان. " المسعف قفل إيده على المفتاح، وقام جري ناحية عربية الإسعاف. وفي اللحظة دي، محدش في المستشفى كان لسه عارف إن اللي هيلاقوه في البيت هيكون أصعب بكتير من اللي كانوا متوقعينه. ..حكايات شروق خالد ركب المسعف العربية بسرعة، والبنت ركبت جنبه، وهي ماسكة في هدومه بإيد صغيرة. وراهم عربية إسعاف تانية، وفيها فريق طبي عشان يفضلوا جنب التوأم. المسعف بص لها من المراية وقال: "اسمك إيه يا حبيبتي؟" البنت ردت بصوت واطي: "ملك." "وماما اسمها إيه يا ملك؟" "سما. " "وإخواتك؟" ملك بصت وراها ناحية العربية اللي فيها إخواتها، وقالت: "دول محمد ومحمود." المسعف هز راسه، وبص قدامه. "طب يا ملك، إحنا هنروح لماما دلوقتي، بس عايزك تفتكري الطريق كويس." ملك هزت راسها بثقة."أنا عارفة." العربية اتحركت بسرعة. ملك كانت قاعدة ساكتة، لكن إيديها ما كانتش بتبطل تتحرك. مرة تمسك في طرف هدومها، ومرة تبص من الشباك، ومرة تسأل: "هنوصل إمتى؟ " المسعف كان كل مرة يطمنها: "قربنا يا ملك." بعد شوية قالت: "ماما ممكن تكون صحيت؟" المسعف سكت لحظة. وبعدين قال: "إن شاء الله تكون صحيت." ملك بصتله بجدية وقالت: "ماما مبتحبش النوم كتير." المسعف حس بقلبه بيتقبض. "إنتي شوفتيها آخر مرة إمتى؟" "الصبح." "النهارده؟" ملك هزت راسها."لأ... من تلات أيام." المسعف شد إيده على الدركسيون. ما كانش قادر يتخيل طفلة عندها ست سنين عايشة لوحدها مع أم فاقدة الوعي وتوأم لسه مولودين. وفجأة ملك أشارت بإيدها."لف من هنا." العربية لفت. "هنا؟ "هنا؟" "آه." وبعد كام دقيقة قالت: "هنا البيت." العربية وقفت قدام بيت صغير في شارع هادي. المسعف نزل بسرعة، وملك نزلت وراه. جري ناحية الباب. دخل المفتاح في القفل، لكنه وقف لحظة وبص لملك."أفتح؟" ملك هزت راسها."افتح. " فتح الباب. وأول حاجة ضـ,ـربت في وشهم كانت ريحة خانقة جوه البيت. المسعف دخل وهو بينادي: "مدام سما؟" مفيش رد. دخل خطوة كمان."يا مدام سما!" ولا صوت. ملك وقفت عند الباب، وبصت جوه بخوف."ماما في الأوضة." المسعف جري ناحية غرفة النوم. وأول ما دخل، لقاها ممددة على السرير. وشها شاحب، وشفايفها ناشفة، وجسمها ساكن تمامًا. المسعف نادى بسرعة على زميله: "هات شنطة الإسعافات بسرعة!" جري ناحيتها، فحص تنفسها ونبضها. وبص لزميله وقال: "النبض ضعيف جدًا." بدأوا يحاولوا يفوقوها. ملك كانت واقفة على باب الأوضة، ووشها مليان خوف. قالت: "هي هتصحى؟ " المسعف بص لها وهو بيحاول يطمنها: "هنعمل كل اللي نقدر عليه." ملك قربت خطوة."أنا كنت بكلمها كل يوم." المسعف وقف لحظة."بتقولي لها إيه؟" قالت: "بقول لها اصحي يا ماما... محمد ومحمود جعانين." الكلمة نزلت عليهم تقيلة. المسعف بص لزميله، وبعدين رجع يركز مع سما. بعد دقايق، وصل فريق طبي كامل. بدأوا يجهزوا سما للنقل. وفي اللحظة اللي كانوا بيرفعوها على النقالة، ملك جريت ناحيتها."ماما!" حاولت تمسك إيدها. الممرضة مسكت كتفها برفق. "سيبيهم يساعدوها يا حبيبتي." ملك بدأت تعيط لأول مرة من ساعة ما دخلت المستشفى."ماما متسبنيش." الممرضة حضنتها."مش هتسيبك، إحنا معاها. " لكن ملك فجأة قالت: "استنوا!" كلهم وقفوا. ملك بصت ناحية السرير."في حاجة تحت المخدة." المسعف قرب."إيه؟" ملك أشارت."ماما كانت مخبياها هناك. " رفع المخدة. وكان فيه ظرف أبيض صغير. المسعف أخده وبص عليه. كان مكتوب عليه بخط واضح: "لو حصل لي حاجة... ملك لازم تروح لمكان آمن. " المسعف اتجمد مكانه. بص لملك. وبعدين بص لسما اللي كانوا بيجهزوا ينقلوها. واضح إن القصة دي ما كانتش مجرد أم تعبت وفقدت الوعي. كان فيه سر كبير. وسما كانت عارفة إن ممكن يحصل لها حاجة. لكن السؤال الأصعب كان: ليه كانت كاتبة اسم ملك بالذات؟ وليه كانت مخبية الظرف قبل ما تفقد الوعي؟المسعف فتح الظرف ببطء. وأول ما قرأ أول سطر، وشه اتغير تمامًا. ملك بصت له وقالت: "فيه إيه؟" لكنه ما ردش. لأنه كان قدامه اسم شخص...شخص ما كانش المفروض يكون له أي علاقة بالبيت ده. وفي نفس اللحظة، وصل اتصال للمستشفى. الدكتور رد. وسمع صوت رجل بيقول: "أنا أبو الأطفال... وصلني إن مراتي في المستشفى." الدكتور سأل: "حضرتك اسمك إيه؟" الرجل قال اسمه. الدكتور سكت. لأن الاسم اللي قاله الرجل كان هو نفس الاسم المكتوب جوه الظرف. والأخطر من كده...إن ملك أول ما سمعت الاسم، مسحت دموعها وبصت للدكتور وقالت: "هو ده الراجل اللي ماما كانت بتخاف منه." ساعتها الكل فهم إن الحكاية لسه في أولها...حكايات شروق خالد