انجي الخطيب

سبتها ومشيت وهي قاعدة تبكي على الرصيف اللي شهد على ظلمها.

يوم الجلسة، وقفت قدام القاضي وقلت شهادتي بكل أمانة ودقة، ما زودتش كلمة وما نقصتش كلمة. القاضي حكم على حسين بسنتين سجن مع الشغل، وخفف العقوبة بعد ما أثبتنا إنه كان مجرد “ضحية طماعة” في إيد شبكة التزوير الكبيرة اللي اتقبض على أفرادها بالكامل.

خرجت من المحكمة وأنا حاسة إن القصة اتقفلت تماماً. حسين خد جزاء طمعه، وحماتي خسرت فلوسها وصحتها وكرامتها، وأنا أخدت حريتي وكرامتي ورزقي.
وقفت في الشارع، بصيت للسما وتنفست بحرية… وعرفت إن أجدع حاجة ممكن تعملها لما حد يظلمك، إنك تسيبه لعدل ربنا، وتتفرج على المشهد وأنت مرفوع الراس.

مرت سنتين كاملين. سنتين كانوا الكفيلين إنهم يغيروا كل حاجة في حياتي ويعدلوا المايل.
ورشة التفصيل الصغيرة كبرت وبقت أتيليه صغير في الشارع الرئيسي، وشغلت معايا بنتين من البنات اليتامى في المنطقة. بقيت قائمة بذاتي، ليّا اسمي وكرامتي وكياني اللي محدش يقدر يكسره أو يساومني عليه.

وفي يوم جمعة، وأنا راجعة بيتي بشنط الخضار والقماش، لقيت راجل واقف قدام باب العمارة. ضهره متني، هدومه قديمة ومبهدلة، ودقنه خفيفة وطالعة بغير نظام. أول ما سمع صوت خطوتي تلف.

.. كان حسين.سنتين السجن كانوا باينين على وشه وقسماته، كبروه عشر سنين فوق عمره. عينيه ما جتش في عيني، كانت باصة للأرض بخزي وخجل مش طبيعي.

سكت، وقفت على بُعد خطوات منه وسألته بهدوء:
— خير يا حسين؟ طالع من السجن امتى؟ وأيه اللي جابك هنا؟

اتنهد بصوت طالع بالعافية، وصوته كان مخنوق ومكسور:
— خرجت مبارح يا نجلاء… وما لقيتش مكان أروحه. أمي باعت العفش اللي حيلتها ونقلت في أوضة تحت بئر السلم في الحارة اللي ورا… ومحدش من القرايب راضي يدخلنا بيته بعد الفضيحة وقضية التزوير.

سكت ثواني وهو بيمسح دمعه خانته ونزلت، وكمل:
— أنا مش جاي أطلب ترجعيلي، أنا عارف إني ما أستاهلش حتى تبصي في وشي… أنا جاي أقولك سامحيني يا نجلاء.

أنا خسرت كل حاجة؛ شغلي، وسمعتي، وصحتي، وشقا أمي، وفوق كل ده خسرت الست الوحيدة اللي كانت صايناكي وحامياني. ياريتني سمعت كلامك، وياريت الطمع ما كانش عماني.

بصيت لوشه المكسور، وافتكرت اليوم اللي كان واقف فيه جنب أمه وبيتباهى بالعقد المزور وهدومي متبعثرة تحت رجليه. ما حسيتش بشماتة، حسيت بوجع على البنادم لما يسلم عقله للشيطان والطمع ويضيع نفسه بإيده.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *