قال للوِيتَر إن ملوش أي قيمة وهدده إنه يدمر مستقبله المهني، بس مدير المطعم كشف المستور وقال من الشخص الحقيقي اللي كان واقف قدام الطاولة بتاعته. الراجل اللي كان قاعد على الطاولة رقم 12 أخد 20 دقيقة كاملة يهان فيا ويقلل مني قبل ما يقرر إنه يدمر حياتي. . أو على الأقل، الحياة اللي هو افتكر إني عايشها. زق طبقه اللي لمسهوش لبره على طرف المفرش الأبيض الناصع، وبص بتركيز على المئزر (المريلة) السودا اللي كنت لابسها، وابتسم بقلة ذوق وقسوة راجل متعود إن مفيش حد من الطبقة اللي تحته هيقدر يرد عليه أو يقف قدامه. قال بصوت عالي كفاية عشان تسمعه ثلاث طاولات جنبه: "بص لنفسك كده.. أنت فاهم الفرق بين المكان اللي أنت واقف فيه والمكان اللي أنا قاعد فيه؟"اللي كان قاعد معاه على العشاء تحرك في كرسيه بقلة راح ومش مرتاح. أنا ما نطقتش ولا كلمة. الراجل رجع بضهره لورا على الكرسي. "أنت بتشيل الأطباق للناس اللي شبهي."في ست على الطاولة اللي جنبنا وقفت إيدها وهي بترفع كاس العصير. شاور بإصبعه على صدري: "أنا بشغّل ناس زيّك.. وبطرد ناس زيّك. ولو خليتني أستنى 20 دقيقة كمان، مكالمة تليفون واحدة مني مش هتخليك تشتغل في مطعم زي ده تاني طول حياتك. "بصيت له لفترة طويلة من غير ما أتكلم. بعدين طلعت دفتر الطلبات بالراحة من المريلة."اعمل المكالمة يا فندم. "ابتسامته اختفت في ثانية. قلت له: "بس قبل ما تعملها، المفروض تعرف أنت بتتكلم مع مين الأول. "قبل الساعة دي بست ساعات، أمي كانت بتسألني أنا ليه بعمل حاجة مجنونة بالمنظر ده. كانت واقفة في المطبخ ببيتي اللي في الشيخ زايد، ماسكة مج القهوة بتاعها وأنا بقفل زرار القميص الأبيض الخاص بالويترز، قميص كنت شاريه بـ 200 جنيه من محل مستلزمات المطاعم. أمي، ماجدة، عندها 68 سنة، وعندها قدرة عجيبة إنها توصلك شعور الخيبة وخيبة الأمل من غير ما تنطق حرف واحد. بصت لي من فوق لتحت. بنطلون أسود. جزمة رخيصة ضد الانزلاق. قميص أبيض. كرافتة سودا. ومريلة سودا. في الآخر قالت لي: "لأ."ابتسمت قلت لها: "صباح الخير يا أمي. ""أنت بتملك ثلاث مطاعم.""أربعة.""ده مش بيحسن الموقف خالص.""عارف.""أنت عندك 216 موظف.""219 بداية من يوم الاثنين.""إياد.."وقفت إيدي وأنا بظبط الكرافتة. أمي حطت مج القهوة على الرخامة."أنت ليه لابس لبس ويتر في المطعم بتاعك؟ ""عشان محدش المفروض يعرف إنه مطعمي النهاردة. "تعبيرات وشها اتغيرت.. وفي اللحظة دي بس فهمت إني بتكلم بجد. وأنا في سن الـ 37، قضيت حوالي 14 سنة ببني فيها مجموعة "الراوي للضيافة والمطاعم"، بدأتها من مطعم صغير بيصـ,ـارع عشان يعيش، لحد ما بقت مجموعة مطاعم قيمتها أكتر من 300 مليون جنيه. الناس كانت بتحب تسميني "المليونير اللي بنى نفسه بنفسه" عشان الصحافة بتحب العناوين الرنانة والدراما. بس الحقيقة مكانتش بالجمال ده.. ثروتي كانت معتمدة بشكل كبير على تقييم الشركة، والعقارات التجارية، والاستثمارات، وأوراق وشيكات ما أقدرش أشتري بيها أكل وشرب من السوبرماركت في ساعتها. بس أيوة، على الورق، أنا معايا فلوس أكتر من اللي هحتاجها في حياتي كلها. اللي كان بضايقني بجد هو الطريقة اللي الناس بقت بتعاملني بيها بعد ما عملت الفلوس دي. لما كان عندي 19 سنة، كنت بشتغل ويتر في مطعم مشويات قريب من المهندسين. الزبائن كانوا بيفرقعوا صوابعهم عشان ينادوا عليا. مرة راجل أعمال ساب لي جنيهين بقشيش على فاتورة بـ 3000 جنيه عشان حتة اللحمة كانت مستوية زيادة عن الطلب بحاجة بسيطة. ومرة ست رمت العيش في وش العامل اللي بيلم الأطباق. الناس كانت بتتكلم عني وكأني مش موجود أو مش إنسان. بعدين بقيت ناجح.. وفجأة، نفس نوعية الناس دي بقت بتقوم تقف لما أدخل المكان!بقوا فاكرين اسمي. بيضحكوا على السخافات والنكت اللي بطلعها وهي مش بتضحك اصلاً. بيسألوني عن صحة أمي. وبيقولوا لي "يا باشا". وبقيت بفتكر وبسأل نفسي كتير: يا ترى كام واحد منهم بيحترم إياد الراوي كإنسان، وكام واحد بيحترم الرقم اللي جنبه اسمه في الحسابات؟قلت لأمي: "أنا بعمل تجربة."حواجبها اترفت."عايز أشوف الزباين بتتعامل إزاي لما يحسوا إن مفيش حد مهم مراقبهم. ""بس المديرين بتوعك بيراقبوا.""المديرين بتوعي لابسين بدلم. . والزبون عارف إن المدير عنده سلطة.""وبعدين؟""أنا عايز أكون الشخص اللي هما فاكرين إن ملهوش أي سلطة أو قيمة."أمي كتمت إيديها وقالت: "وليه النهاردة بالذات؟ "وده كان السؤال الأهم. بصيت من شباك المطبخ على الجنينة."عشان إحنا داخلين على توسع كبير. "المجموعة كانت بتستعد تفتح 12 فرع جديد خلال الـ 18 شهر الجايين. المستثمرين الكبار بدأوا يلفوا حوالينا.. المستشارين بيوصوا بضغط المصاريف والعمالة. والتنفيذيين بيتكلموا عن الأرباح، ونسبة العمالة، وسرعة إخلاء الطاولات، وتكلفة الزبون. أرقام.. كل حاجة بقت عبارة عن أرقام. بس الضيافة والمطاعم بالنسبة لي عمرها ما كانت أرقام. كانت عن الكرامة. أول مطعم ليا عاش واستمر عشان واحدة اسمها دينا اشتغلت ورديتين ورا بعض لما مكانش معايا فلوس أعين حد. وعامل غسيل أطباق اسمه مصطفى سلفني 8000 جنيه عشان أصلح الفريزر المكسور. وطباخ اسمه رمضان قعد طول الليل في وسط المطر عشان يجهز أكل لعمال الطوارئ. الناس هما اللي بنوا شركتي.. مش أوراق الحسابات. ومؤخراً بقيت بلاحظ حاجات صغيرة بتخوفني وتضايقني. بارتندر اتزعق له من زبون والمدير راح يعتذر للزبون!بنت في الاستقبال اتسابت واستقل بيها زبون غني متعود يجي المطعم. وعامل في المطبخ قال للموارد البشرية إن في زباين بتتعامل مع العمال وكأنهم "كرسي أو ترابيزة".كنت عايز أعرف هل الثقافة دي بتحمي الموظفين لما أكون مش موجود في الأوضة ولا لأ. أمي اتنهدت: "عمرك ما هتغير دماغك الناشفة دي.""أنتِ اللي مربياني.""كنت خايفة تقول كده. "قربت مني وظبطت الكرافتة.. وللحظة، ماكنتش الراجل صاحب الـ 37 سنة ولا مؤسس مجموعة مطاعم.. رجعت طفل عنده 10 سنين بيتجهز عشان يروح المدرسة. قالت بصوت واطي: "الناس ممكن تكون قاسية قوي لما يحسوا إن مفيش عقاب.""ده اللي أنا عايز أعرفه. ""ده اللي أنا عايز أعرفه.""لأ يا ابني. . أنت عارف كده كويس.. أنت بس عايز تعرف هل ممكن يفاجئوك بغير كده ولا لأ."كان عندها حق.. كنت أتمنى يفاجئوني. الساعة 10:40 الصبح، دخلت مطعم "القصر" من باب العمال. المطعم ده كان الجوهرة اللي في تاج شركتي. . فيلا قديمة متجددة في حي الزمالك الفخم. بيقدم أكل شرقي وغربي فخم تحت أسقف عالية، وثريات كريستال، والحيطان متغطية بلحوات زيتية أصلية. حجز العشاء فيه بياخد أسابيع مقدمًا.. ومتوسط الفاتورة للشخص الواحد رقم كبير جداً. والباركينج بره دايماً فيه عربيات أغلى من البيت اللي اتربيت فيه وأنا صغير. ثلاثة بس في المطعم كلهم اللي كانوا عارفين أنا مين النهاردة:المديرة العامة، أمل. كبير الطهاة (الشيف)، سامح. ومديرة الموارد البشرية اللي جهزت الأوراق عشان أشتغل وردية حقيقية مش مجرد تمثيل. أي حد تاني تقال له إني "إياد"، ويتر منقول من فرع تاني للمجموعة. أمل قابلتني عند محطة الخدمة. . ست عندها 42 سنة، ذكية، هادية، ومن الصعب جدًا تتربك. همست لي: "لسه عندك وقت تتراجع.""لأ.""تمام.. الطاولة 12 من ضمن القسم بتاعك.""في أي حاجة غريبة؟""الزبون اللي حجز الطاولة 12 ده شريف طاهر، رجل أعمال معروف وبييجي هنا كل شهر تقريبًا، ومعروف عنه إنه صعب جدًا ومحدش بيعرف يعجبه بسهولة. "هزيت رأسي وقلت لها: "تمام، سيبي الموضوع عليا."بدأت الوردية. في الأول، كل حاجة كانت ماشية بهدوء. بقيت أتحرك بين الطاولات، أقدم الطلبات، أسمع ضحكات الزباين، وآخد بالي من أدق التفاصيل اللي مكانتش بتبان لي وأنا قاعد في مكتبي. على الساعة 8 بالليل، وصل شريف طاهر ومعاه واحد صاحبه. قعدوا على الطاولة 12.رحت عندهم وأنا مبتسم ابتسامة هادية وقلت: "مساء الخير يا فندم، مرحب بيك في 'القصر'. أنا إياد وهكون مسؤول عن خدمتكم النهاردة."شريف طاهر بصر لي من فوق لتحت بقلة اهتمام، ومن غير ما يرد على التحية، فتح المنيو وقال ببرود: "عايز فندق لحمة ريب آي، تكون ميديم، ومعاها بطاطس وبوريه. وصاحبي هيطلب نفس الكلام. ومتتأخرش.""تحت أمرك يا فندم، مش هنطول عليك."أخدت الطلب للمطبخ، والشيف سامح جهز الطبقين بمنتهى الاحترافية والجمال. أخدت الأطباق ورجعت بيها للطاولة. أول ما حطيت الأطباق قدامه، شريف مسك الشوكة والسـ,ـكينة، قطع حتة لحمة صغيرة، وبص فيها بقرف، وقام زاق الطبق لإيديه:"إيه القـ,ـرف ده؟ أنا قلت لك ميديم! دي استوت زيادة! أنت مبتفهمش؟"بصيت على حتة اللحمة، كانت استواها مظبوط بالملي زي ما طلب. قلت له بكل احترام: "بعتذر لحضرتك يا فندم، لو الطبق مش عاجبك أقدر أغيره لك فورًا أو أطلب من الشيف يعمل لك واحد تاني بنفس المواصفات اللي تحبها. "هنا شريف وشه اتغير، وبدأ يرفع صوته، وهو ده الكلام اللي بدأنا بيه القصة:"أنت هتتكلم معايا كمان؟ بص لنفسك كده.. أنت فاهم الفرق بين المكان اللي أنت واقف فيه والمكان اللي أنا قاعد فيه؟"صاحبه بدأ يتوتر ويبص حوليه من الإحراج. شريف كمل وهو راجع بضهره ومشور عليّ: "أنت بتشيل الأطباق للناس اللي شبهي.. أنا بشغّل ناس زيّك، وبطرد ناس زيّك! ولو خليتني أستنى 20 دقيقة كمان عشان طبق جديد، مكالمة تليفون واحدة مني لمالك المجموعة، مش هتخليك تشتغل في مطعم زي ده تاني طول حياتك. "طلعت دفتر الطلبات بالراحة وقلت له بثبات: "اعمل المكالمة يا فندم.. بس قبل ما تعملها، المفروض تعرف أنت بتتكلم مع مين الأول."شريف ضحك بتريقة وقال: "بتكلم مع مين يعني؟ ويتر ملهوش قيمة بيحاول يعمل فيها بطل؟ "في اللحظة دي، أمل مديرة المطعم كانت القصة وصلت لها وجات تجري، ومعاها الشيف سامح. أمل كانت عارفة كل حاجة، وبصت لشريف بنظرة حادة وصارمة جداً. شريف أول ما شاف أمل قال لها بثقة: "أهلاً يا أمل.. كويس إنك جيتي. الويتر الغبي ده لازم يترفض فوراً، وإلا أنا هكلم إياد الراوي بنفسه وأخليه يقفل لكم المطعم ده!"أمل وقفت جنب الطاولة، وبصت لإياد وبعدين بصت لشريف وقالت بصوت واضح سمع القاعة كلها:"حضرتك مش محتاج تتصل بإستاذ إياد الراوي يا شريف بيه. . لأن الأستاذ إياد الراوي واقف قدامك دلوقتي وبياخد طلبك بنفسه!"الصمت نزل على القاعة كلها كأنه صدمة كهربائية. شريف طاهر وشه اتخطف، والدم هرب من عروقه. عينيه راحت للقميص الأبيض والمريلة السودا، وبعدين بص لوشي بتدقيق. . وفي اللحظة دي افتكر الصورة اللي بتنزل في المجلات والجرايد للرئيس التنفيذي لمجموعة الراوي. صاحبه اللي كان قاعد معاه حط إيده على وشه من الصدمة والإحراج. شريف حاول يتكلم، لسانه اتعقد وقال بتلعثم: "إياد.. إياد بيه؟ أنت.. أنت بتعمل إيه هنا؟ قصدي.. أنا مكانش قصدي. ."قربت منه خطوة واحدة، وحطيت إيدي على الطاولة وقلت له بصوت هادي بس يقـ,ـطع زي السـ,ـكينة:"أنا هنا عشان أعرف نوعية الناس اللي بتدخل مطعمي وبتتعامل مع عمالي بالأسلوب ده. أنت جاي تاكل بفلوسك، وده يديك حق تاخد خدمة ممتازة وتطلب اللي أنت عايزه، بس ميديكش أي حق إنك تهين إنسان أو تقلل من كرامته لمجرد إنه بيخدمك. "شريف وقف وهو بيتصبب عرق: "أنا أسف جدًا يا فندم.. والله ما كنت أعرف.. أنا مجرد كنت متوتر الشغل كان ضاغطني..""الضغط مش مبرر لقلة الأدب يا شريف بيه." قاطعة بصوت حاسم. بعدين بصيت لأمل وقلت لها: "أمل. . حظري شريف طاهر من دخول أي فرع من فروع مجموعة 'الراوي' في مصر كلها، وحسابه النهاردة ملغى، يتفضل يتفضل بره المطعم حالاً."شريف مكانش مصدق اللي بيحصل، راجل الأعمال اللي فاكر إن فلوسه تشتري كل حاجة، اترمى بره المطعم قدام الزباين كلهم. الزباين في القاعة بدأوا يسقفوا بصوت واطي، والعمال والويترز كانوا باصين لي بعيون مليانة فخر وامتنان. رجعت المطبخ، قلعت المريلة والكرافتة، وبصيت لنفسي في المراية. افتكرت كلام أمي الصبح لما قالت لي: "أنت عايز تعرف هل الناس ممكن تفاجئك ولا لأ؟ ومن اليوم ده، أخدت قرار إن أي فرع جديد هينزل فيه قانون صارم: كرامة العامل قبل زبون الفلوس. #حكايات_شروق_خالدخرجت من المطبخ بعد ما لبست جاكيت البدلة بتاعي، ووقفت في وسط الصالة. أمل كانت واقفة ومستناني، وعينيها مليانة احترام وتقدير."أستاذ إياد.. الموظفين كلهم واقفين في المطبخ ومش مصدقين اللي حصل," أمل قالت بصوت هادي. ابتسمت لها وقلت: "جمعي الموظفين كلهم في الصالة هنا يا أمل. . كل الوردية، من أفرست المطبخ لأصغر ويتر وعامل نظافة."خلال دقيقتين، كان الـ 35 موظف بتوع وردية بالليل واقفين قدامي. بعضهم كان خايف، وبعضهم عينيه فيها نظرة انبهار، ومصطفى عامل غسيل الأطباق كان واقف ورا خالص ومستخبي. بصيت لهم واحد واحد، وقلت بصوت واضح: "أنا النهاردة ما كنتش بلعب دور الويتر عشان أعمل شو ولا عشان أقبض على زبون مغرور.. أنا كنت واقف مكانكم عشان أحس باللي بتحسوه كل يوم. والنهاردة أنا شفت بعيني القرف والضغط اللي بتتعرضوا له من ناس فاكرة إن فلوسها تخليهم يملكوا آدميتكم. "السكون كان سيد المكان، محدش كان بينطق. كملت كلامي: "من النهاردة، مفيش أي زبون في أي فرع لمجموعة الراوي مسموح له يرفع صوته على موظف، أو يقلل من كرامته. لو في أي مشكلة في الأكل أو الخدمة، الزبون يشتكي للمدير بأدب، والمدير يتعامل. لكن يتهان عامل أو يتقال له 'أنت ولا حاجة'.. ده خط أحمر. وأي مدير هيسكت على إهـ,ـانة موظف عنده عشان يرضي زبون غني، هعتبره هو اللي أهان الموظف وهيطرد فوراً. "فجأة، المطبخ والصالة اتملوا بتصقيف حاد من الموظفين كلهم. مصطفى بتوع غسيل الأطباق قرب مني ببطء، وعينيه دمعت، وقال: "ربنا يبارك لك يا إياد بيه.. أنت ردّيت لنا اعتبارنا النهاردة."مسكت إيده وقلت له: "أنت اللي سلفني 8000 جنيه زمان عشان أنقذ المطعم يا مصطفى.. أنت صاحب فضل عليا، وما عاش ولا كان اللي يقلل منك أو من أي حد في المكان ده."رجعت الشقة في الشيخ زايد الساعة 12 بالليل. لقيت أمي قاعدة في الصالة ومستنياني، وماسكة كتاب بتقرأ فيه. أول ما دخلت، رفعت نظارتها وبصت لي بابتسامة دافية: "إيه الأخبار؟ تفاجأت ولا عرفت الحقيقة؟"قلعت الجاكيت وقعدت جنبه على الكنبة، واتنهدت بتعب بس براحة نفسية عميقة: "عرفت إن في ناس قاسية بالفلوس يا أمي.. بس الأهم إني عرفت إن كرامة الناس هي اللي بنيت الشركة دي، وهي اللي هتحافظ عليها. "أمي طبطبت على إيدي وقالت: "كده أنت بقيت رجل أعمال بجد يا إياد.. القوة مش إنك تبني مباني ومطاعم، القوة إنك تكون ضهر للناس اللي ملهاش ضهر."ومن الليلة دي، اتغيرت كل قواعد العمل في مجموعة "الراوي للضيافة". اتكتب بند جديد في لائحة الشركة بالبونت العريض: "كرامة العامل أولاً. . والخدمة الممتازة حق للزبون المؤدب فقط." وبقت القصة دي تتنقل بين الموظفين في كل الفروع، مش بس كإثارة، ولكن كدليل إن صاحب العمل مش شايفهم مجرد أرقام في شيت إكسيل. مرت السنين على الليلة دي، ومجموعة "الراوي للضيافة" بَقت مش مجرد سلسلة مطاعم ناجحة، دي بقت رمز للشركة اللي بتصون كرامة عمالها. التوسع الـ 12 فرع الجداد اتفتحوا، وكل فرع كان بيتحط في مدخله من جوة يافطة صغيرة مش بيشوفها غير العمال، مكتوب عليها: "أنت مش مجرد رقم. . أنت أصل المكان."في يوم من الأيام، وبعد مرور حوالي سنتين، كنت قاعد في مكتبي الرئيسي في الفرع الكبير بالشيخ زايد. دخلت عليا أمل، مديرة فرع الزمالك، ومعاها ملف جديد لطلب رعاية وحجز قاعة الحفلات الكبيرة لحدث ضخم. فتحت الملف ولقيت الاسم: شركة "طاهر للإنشاءات". . وبإمضاء: شريف طاهر. بصيت لأمل وابتسمت نص ابتسامة: "شريف طاهر؟ هو لسه فاكر المكان؟"أمل ضحكت وقالت: "ده مش بس فاكر.. ده بقاله أسبوع بيكلم الإدارة وبيترجاهم يوافقوا على الحجز، وطالب يقابلك شخصياً عشان يعتذر لك تاني، وبيقول إنه غير كل أسلوب تعامله مع الموظفين في شركته من يوم الواقعه إياها. "وافقت أقابله. دخل شريف مكتبي بعد ساعتين.. مكانش نفس الراجل المغـ,ـرور بتاع زمان. كان باين عليه التواضع، ومسك إيدي بإيديه الاتنين وقال: "إياد بيه.. أنا مش جاي بس عشان أحجز القاعة، أنا جاي أشكرك. الليلة دي من سنتين كانت أسيء ليلة في حياتي، بس كانت الأهم. . اتعلمت منها درس في الإنسانية غير طريقة إدارتي لشركتي كلها."بصيت له وقلت له بكل هدوء: "الاعتراف بالخطأ وتغييره هو اللي بيعمل الراجل البجد يا شريف بيه. الحجز مقبول، وأهلاً بيك في 'القصر' من تاني.. كزبون محترم."خرج شريف، وقمت وقفت قدام الشباك الكبير المطل على الشارع. شفت العمال تحت في جنينة المطعم بيضحكوا وبيهزروا وهم بيجهزوا التربيزات للوردية الجديدة، ومصطفى عامل غسيل الأطباق واقف مع شيف المطبخ بيشربوا شاي مع بعض. في اللحظة دي اتأكدت إن النجاح الحقيقي مش في كثرة الفلوس ولا في تقييم الشركات والأسهم. . النجاح هو إنك تسيب أثر نظيف، وتخلي كل واحد شغال معاك حاسس إنه مرفوع الراس وله قيمة.#حكايات_شروق_خالد ثمن الكرامة#حكايات_شروق_خالد