أصغر حارسة ج1 حكايات شروق خالد

.. دي فيها دعوات بس.”بُرعي ضحك بصوت عالي لدرجة إنه كاد يقع في الماية. مريم كانت مراقبة من شباك المطبخ وسابت نفسها تصدق، ولو شوية صغيرة، إن المكان ده ممكن يطلع حنين معاهم. حصل الكلام ده يوم تلات، يوم عادي خالص من الأيام اللي الواحد بيحس بعدها إن مستحيل العادي ده كان حقيقي.

نُهى كانت بتلعب في الجنينة بورقة جابها لها بُرعي، حتة تقطيعة ورق قديمة مبقاش عايزها. معرفش تعمل إيه بورقة بيضا، فعملت اللي بتعمله دايما مع الحاجات اللي مش فاهمها: جربت. طوتها نصين، وبعدين نصين تاني، زي ما كانت بتشوف أمها بتطبق الغسيل، لحد ما بقت عاملة زي حاجة ليها أجنحة.

شوية هواء طيروا الورقة من إيدها وودوها ناحية البيت. قامت تجري وراها من غير ما تفكر، زي أي بت تلات سنين بتجري ورا أي حاجة بتتحرك أسرع منها، نطت من السور الجانبي، ومشيت في الممر الحصى اللي حذروا منها ميت مرة، ودخلت طوالي من باب البلكونة الفرنسية اللي كان حد سايبه موارب عشان يدخل هواء العصر.

الورقة نزلت على الأرض في نص أوضة مش شبه أي أوضة شافتها في البيت ده كله. دولاب خشب غامق واصل للسقف، ستائر تقيلة، ومكتب قد أوضتها اللي في إمبابة مرتين. وعلى المكتب ده، قاعد جوه علبة زجاج لوحده، شكل ورقي تاني مطوي بطريقة عرفتها في ساعتها: فراشة.

مفيش في دماغها إن الحاجة دي موجودة أصلًا في البيت. مشيت ناحيتها، ونسيت الورقة اللي كانت بتجري وراها أصلاً، وطلعت على طراطيف صوابعها تبص من قريب من غير ما تلمس، لأنها حتى وهي تلات سنين ونص كانت فاهمة إن فيه حاجات جوه زجاج مش للعب.

“بتعملي إيه هنا؟ “الصوت مكنش عالي. مكنش محتاج. ملى الأضة زي الماية الساقعة اللي بتترش فجأة. نُهى لفت وشها ببطء. الراجل اللي واقف عند الباب كان طويل، ولابس بدلة رصاصي غامق مع إننا في عز العصر وفي بيته، ووشه عليه ملامح ملهاش اسم لسه في قاموسها.

مش غضب بالصريح. حاجة أبرد وأتعب من الغضب. ده كان دُرة. سمعت اسمه ميت مرة من ساعة ما جم، وكان دايماً بيتقال بحذر، وبصوت واطي زيادة عن اللزوم، زي ما الناس بتتكلم عن حاجة ممكن تفرقع في وشهم في أي لحظة.

كانت عاملة له صورة في عقلها من الكلام المتناثر اللي الكبار قالوه بالغلط. شخص يتخاف منه. شخص البيت كله بيكتم نفسه عشانه. بس هو مكنش في اللحظة دي شبه حد يتخاف منه خالص. كان باين لنُهى، بالشكل الحرفي، كأنه راجل منامش نومة عدلة من سنين طويلة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *