اليتيمة ج2 حكايات شروق خالد
كل واحد اتسرقت منه أرض أو حق، لازم ياخده تاني.» آدم بص لي باستغراب.«وإنت هتعمل إيه؟» رديت وأنا بقفل الصندوق: «هصلح اللي أقدر عليه، والباقي هسيبه للقانون. » سلّمنا كل الأوراق للمحامي، وبدأت إجراءات ردّ الحقوق لأصحابها، واتفتحت قضايا جديدة كشفت جرائم قديمة، واتحاكم محمود على الخطف ومحاولة القتـ,ـل والجـ,ـرائم اللي ثبتت عليه بالأدلة.
أما آدم، فقرر يبعد عن صراعات العيلة، لكنه وافق يفضل على تواصل معايا، عشان نقدر نساعد مريم ونحفظ لها ذكرى أبوها وأمها. وبعد شهور، إبراهيم خرج من المستشفى، ورجع يعيش في بيت هادي بعيد عن القصر القديم.
وأنا أخدت مريم تعيش معايا، وخصصت جزءًا من فلوسي لإصلاح دار الأيتام اللي كانت عايشة فيها، ووفّرت للأطفال هناك تعليم ورعاية كويسة. وفي يوم عيد ميلاد مريم السادس، عملنا لها حفلة صغيرة في الجنينة. كانت بتجري وسط الأطفال، لابسة فستان وردي، وضحكتها مالية المكان.
قربت مني ومدّت لي قطعة جاتوه.«خد يا عمو ياسين، دي أكبر حتة، عشان إنت بتحبني أكتر واحد.» ضحكت وشيلتها بين إيديا.«أنا بحبك قد الدنيا كلها يا مريم.» بصت لي بجدية وقالت: «طب هو بابا وماما شايفيني دلوقتي؟» بصيت للسما، وحسيت بدموعي بتتجمع في عيني.
«إن شاء الله يا حبيبتي، وربنا عالم قد إيه كانوا بيحبوكي، وقد إيه كانوا نفسهم يشوفوكي مبسوطة.» حضنتني، وبعدها جريت تلعب تاني. وقفت أتفرج عليها، وفهمت أخيرًا إن العيلة مش اسم مكتوب في شهادة ميلاد، ولا قصر كبير، ولا فلوس متكدسة في البنوك.
العيلة هي اللي تحبك وتحميك، واللي تفضل جنبك وقت ما الدنيا كلها تتقلب عليك. أنا ياسين الجبالي، الراجل اللي عاش عمره فاكر إن القوة معناها إن محدش يقدر يكسره، اتعلمت من طفلة صغيرة إن القوة الحقيقية إنك تحمي الضعيف، وتعترف بغلطك، وترجع الحق لأصحابه حتى لو هتخسر كل حاجة.
أما مريم، فكبرت وهي عارفة حكاية أبوها وأمها، وعرفت إنهم ما سابوهاش بإرادتهم، وإن فيه ناس فضلت تحارب عشان تحميها. وفي آخر الليل، لما نامت على الكنبة جنب إبراهيم، قربت منها وغطيتها بالبطانية. لقيت إيديها الصغيرة ماسكة المفتاح النحاسي القديم.
ابتسمت، وشيلته برفق من إيدها، وحطيته في الصندوق الزجاجي اللي احتفظنا فيه بكل الأوراق والصور القديمة. ما بقاش المفتاح رمز للخوف والأسرار. بقى شاهد على حقيقة اتأخرت عشرين سنة، لكنها ظهرت في النهاية. والأهم من كل ده، إن مريم أخيرًا لقت بيت تحس فيه بالأمان، وناس تحبها من غير مقابل.




