اليتيمة ج1 حكايات شروق خالد

» الكلام البسيط ده وجعني أكتر مما توقعت. أنا اللي كنت بصرف فلوس في يوم واحد تكفي أكل حي كامل، كنت طول عمري فاكر إن الفلوس والقوة يقدروا يحلوا أي مشكلة. لكن قدامي طفلة صغيرة، هدومها قديمة، وبتقسم معايا آخر حاجة معاها.

خدت البسكويتة منها، وقلت: «ربنا يخليكي يا حبيبتي.» ابتسمت، وبعدها سندت راسها على الكرسي وبدأت تحكي لي عن دار الأيتام. قالت إن اسم المديرة سعاد، وإنها ست طيبة في أغلب الوقت، لكنها بتتغير تمامًا لما حد يجيب سيرة أوضة قديمة في آخر الطابق التاني.

سألتها: «الأوضة دي فيها إيه؟» ردت وهي بتلعب في صوابعها: «مش عارفة. بس مرة سمعت طنط سعاد بتعيط جواها، وبتقول لحد في التليفون إنها تعبت من الكدب، وإنها مش هتقدر تخبي الحقيقة أكتر من كده.

» سكتت لحظة، وبعدها قالت: «ولما خرجت، شافتني، وضـ,ـربتني على إيدي وقالت لي لو قربت من الأوضة دي تاني، هتخليني أمشي من الدار.» قبضت إيدي بعصبية. طفلة صغيرة زي دي، المفروض تكون في أمان، مش عايشة وسط تهديدات وأسرار تخوّفها بالشكل ده.

بعد حوالي نص ساعة، وصلنا لدار الأيتام في منطقة قديمة في مصر الجديدة. المبنى كان كبير، لكنه متهالك، والدهان بيتقشر من الحيطان، والشبابيك الحديد محتاجة تتصلح. أول ما دخلنا، ظهرت ست في أواخر الخمسينات، لابسة إسدال كحلي، ووشها كان متوتر.«مريم!

إنتِ كنتِ فين يا بنتي؟ دوّختينا عليكي!» جريت ناحيتها، لكن مريم استخبت ورايا. الست وقفت فجأة لما شافتني. عينيها نزلت على المفتاح اللي كنت ماسكه في إيدي. وفي ثانية، وشها اتغير. همست بصوت مخنوق: «إنت… إنت ياسين الجبالي؟» استغربت إنها عرفتني من غير ما أعرّف نفسي.

قلت: «أيوه. وإنتِ مين؟» بصت للمفتاح، وبعدها بصت لمريم، وبدأت دموعها تنزل. «أنا سعاد، مديرة الدار.» قربت منها وقلت بلهجة حاسمة: «أنا عايز أشوف الأوضة اللي في آخر الطابق التاني.» رجعت لورا وكأنني ضـ,ـربتها.«مين قال لك على الأوضة دي؟

» رديت وأنا ببص لمريم: «البنت اللي إنتِ مسؤولة عنها.» سعاد غمضت عينيها، وفضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت: «كنت عارفة إن اليوم ده هييجي، بس ماكنتش أتمنى يحصل بالشكل ده.» طلعت من جيبها سلسلة مفاتيح قديمة، وطلبت مننا نتبعها.

طلعنا السلم، ومشينا في طرقة ضيقة، لحد ما وقفنا قدام باب خشب قديم، عليه طبقة تراب سميكة. الغريب إن الباب كان عليه نفس الرمز المحفور على المفتاح. دخلت المفتاح في القفل. لفّيته مرة واحدة. الباب اتفتح بصوت صرير طويل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *