زعيم المافيا وقبلة المزاد حكايات شروق خالد
“إحنا فين؟”
لكن مفيش إجابة.
العربية بدأت تتحرك.
نورهان جريت خطوتين وراها:
“استنى!”
العربية اختفت في آخر الشارع.
وفجأة سمعت صوته في ذاكرتها.
“روحي بيتك… وادعي إنهم ينسوكي.”
وقفت مكانها.
رجليها كانوا بيرتعشوا.
مش من برد الليل…
لكن من الخوف.
رفعت إيدها ولمست شفايفها.
حاولت تمسح أثر القبلة.
لكن الإحساس فضل موجود.
إحساس بارد.
غريب.
زي الراجل نفسه.
راجل ما تعرفش عنه حاجة.
لكن عينيه…
عينيه كانوا سودا بشكل مخيف.
كأنهم بئرين ملهمش آخر.
وما كانش فيهم أي ذرة دفء.
نورهان استنت آخر مترو وهي متكومة في ركن بعيد.
العربية كانت شبه فاضية.
وإيديها كانوا متشابكين فوق رجلها عشان تمنع نفسها من الرعشة.
كانت بتحاول تقنع نفسها:
“خلاص… اللي حصل انتهى.”
“أنا ممرضة غلبانة.”
“أنا ماليش أي قيمة عند الناس دي.”
“أكيد مش هيفتكروا واحدة كانت بتقدم لهم عصير ومشروبات.”
لكن جواها كان فيه صوت تاني بيقول لها إن الليلة دي لسه ما خلصتش.
لما وصلت لمنطقتها، طلعت السلم لحد الدور الخامس في عمارة قديمة في شبرا.
كانت العمارة ضيقة، والدهان واقع من الحيطان، ولمبة السلم بتنور وتطفي.
وقفت قدام باب شقتها.
لكن أول حاجة شافتها كانت ورقة كبيرة متعلقة على الباب.
إنذار بالطرد.
نورهان فضلت باصة للورقة.
فاضل تسع أيام بس.
تسع أيام وبعدها هتلاقي نفسها في الشارع.
ضحكت ضحكة صغيرة مليانة وجع.
من كام ساعة كانت مشكلتها الوحيدة إنها مش عارفة هتنام فين.
دلوقتي بقت مش عارفة…
هل هتفضل عايشة أصلاً عشان تحتاج مكان تنام فيه؟
فتحت الباب.
دخلت.
قفلت الباب بالمفتاح.
وبعدين لأول مرة من تلات سنين، قفلت المزلاج الحديد اللي كانت دايماً بتعتبره مالوش لازمة.
سندت ضهرها على الباب.
ونزلت على الأرض ببطء.
ضمت رجليها لصدرها.
وبدأت تحاول تاخد نفسها.
الشقة كانت ضلمة تماماً.
نور الشارع الأصفر كان داخل من الشباك وبيعمل خطوط غريبة على الحيطان القديمة.
نورهان كانت سامعة دقات قلبها.
دق…
دق…
دق…
غمضت عينيها.
افتكرت أمها.
الست الطيبة اللي ماتت وهي لسه صغيرة.
افتكرت حضنها.
ريحة هدومها.
صوتها وهي بتقول لها:
“متخافيش يا نورهان… طول ما أنا موجودة مش هسيبك.”
لكن أمها ما بقتش موجودة.
نورهان فتحت عينيها والدموع نزلت على خدها.
همست:
“لو كنتي موجودة بس يا أمي…”
سكتت.
وبعدين افتكرت أبوها.

