حكايات شروق خالد ج1
كنت بضحك عليهم وأقولهم إن أحلى هدية عندي هي إنهم جنبي، وإن مفيش حاجة في الدنيا تسوى ضحكتهم. لكن الصبح ده كان مختلف تمامًا. أول ما دخلت المطبخ، لقيت مريم ومنة قاعدين على السفرة، وكل واحدة فيهم باصة للتانية بقلق. مفيش فطار.
مفيش هدايا. مفيش هزار ولا ضحك زي كل سنة. رفعت حاجبي وأنا ببصلهم باستغراب وقلت:
«مالكوا يا بنات؟ إنتوا صاحيين من بدري كده ليه؟ وفين الفطار بتاع عيد الأب؟»
مريم رفعت عينيها وبصتلي، وبعدها قالت بصوت جاد:
«بابا، تعالى اقعد، إحنا عايزين نتكلم معاك في موضوع مهم».قلبي اتقبض من طريقتها. سحبت كرسي وقعدت قصادهم، وبدأت أفكر في كل الاحتمالات اللي ممكن تخوف أي أب على بناته بعد 18 سنة من القلق والخوف عليهم. حاولت أضحك وقلت:
«إيه يا بنتي؟ خوفتوني! عملتوا مصيبة ولا إيه؟
»
منة مدت إيدها ومسكِت إيد أختها، ومريم ضغطت على إيدها كأنها بتشجعها تتكلم. والحركة دي خلت قلقي يزيد أكتر. مريم بصتلي مباشرة في عيني وقالت:
«بابا، إحنا عايزينك توعدنا إنك مش هتتعصب».ابتسامتي اختفت من على وشي، وقلتلها:
«أوعدك إزاي وأنا لسه معرفش في إيه؟ إنتوا عملتوا إيه؟»
منة هزت راسها بسرعة وقالت:
«والله يا بابا إحنا معملناش حاجة وحشة، بس الموضوع كبير، وإحنا نفسنا مش عارفين نبدأ منين».حسيت إن نفسي بقى تقيل، وقلتلهم:
«طيب اتكلموا، أنا سامعكوا».مريم سكتت لحظات، وبعدها قالت:
«إحنا مخبيين عنك حاجة بقالنا كام شهر».
بصيتلها بصدمة وسألتها:
«كام شهر؟! وإنتوا مخبيين عني إيه كل المدة دي؟»
منة نزلت عينيها للأرض، ومريم أخدت نفس طويل قبل ما ترد:
«عشان مكناش عايزين نقولك غير لما نفهم الحقيقة بنفسنا».بصيت لكل واحدة فيهم، وأنا بحاول أفهم إيه اللي ممكن بنتين في سنهم يخبوه عن أبوهم كل المدة دي.
اتبادلوا النظرات، النظرات اللي التوائم بيتفاهموا بيها من غير كلام، وحسيت إن بينهم حكاية طويلة أنا معرفش عنها أي حاجة. وبعد لحظات من الصمت، مريم رفعت راسها وبصتلي، وبدأت تتكلم وهي بتترعش. والكلام اللي قالته بعدها خلاني أحس إن الأرض بتتهز من تحتي، وإن كل السنين اللي فاتت من عمري ممكن تكون مبنية على حقيقة أنا مكنتش أعرفها.
مريم بصتلي والدموع متجمعة في عينيها، وقالت بصوت مبحوح:
«بابا، إحنا لقينا ماما».حسيت إن وداني بتزن، وبصيتلها كأني مش فاهم هي قالت إيه.«إيه؟!»
منة مسحت دموعها وقالت بسرعة:
«إحنا لقينا ماما يا بابا، وعرفنا هي عايشة فين».
