مريم جريت ناحية الست اللي وقعت على الأرض، ونزلت على ركبتها وهي بتنده عليها بصوت بيترعش. «يا طنط! إنتِ سامعاني؟ افتحي عينيكي! أرجوكي ردي عليّا!» ياسين كان واقف مصدوم، مش قادر يستوعب إن الست اللي عيلته كلها اعتقدت إنها ماتت من تلاتين سنة، رجعت تظهر قدامهم بالشكل ده. «حسن! هات الدكتور حالًا! ولو الدكتور مش موجود، جهّز العربية، هنوديها المستشفى بنفسي!» حسن جري ينفذ الأوامر، ومحمود السيوفي وقف بعيد، وشه شاحب وعينه متعلقة بنوال، كأنه شايف قدامه كل ذنوب السنين اللي فاتت. فاطمة كانت بتعيط وهي ماسكة إيد بنتها. «يا بنتي... يا ضنايا... أنا أمك، أنا فاطمة! إنتِ سمعاني؟ أنا استنيتك تلاتين سنة!» نوال فتحت عينيها بالعافية، وبصت لفاطمة، وشفايفها اتحركت بصعوبة. «ماما...» الكلمة طلعت ضعيفة، بس كانت كفاية تخلي فاطمة تنهار في العياط وتبوس إيدها. «أيوه يا حبيبتي، أنا أمك... أنا جنبك، ومش هسيبك تاني أبدًا.» نوال حاولت ترفع إيدها، لكنها كانت ضعيفة جدًا. عينيها راحت ناحية مريم، وفضلت باصة لها كأنها بتحاول تحفظ ملامحها. «إنتِ... بنت روز؟» مريم هزت راسها والدموع مالية عينيها. «أيوه... أنا مريم، بنت روز. إنتِ تعرفي أمي؟» نوال قفلت عينيها لحظة، ودمعة نزلت على خدها. «روز... بنتي... كنت فاكرة إني مش هشوف حد منكم تاني.» مريم مسكت إيدها بقوة. «إنتِ جدتي؟» نوال حاولت تبتسم، لكن التعب كان أقوى منها. «سامحيني... أنا اللي كان المفروض أحميكي.» وقبل ما مريم تسألها عن أي حاجة تانية، وصل الدكتور، وبعد ما كشف عليها بسرعة، طلب منهم ينقلوها للمستشفى فورًا. ياسين شالها بمساعدة حسن، ومحمود ركب معاهم، بينما مريم أخدت ملك وركبت العربية التانية مع فاطمة. طول الطريق، مريم كانت ساكتة، بتبص من الشباك والدماغ عندها بتلف. أمها كانت مخبية عنها حقيقة أبوها، وحقيقة جدتها، وحقيقة عيلة كاملة. ودلوقتي الست اللي رجعت بعد تلاتين سنة بتقول إنها كانت المفروض تحميها. بس تحميها من مين؟ ومن إيه؟ وصلوا المستشفى، والدكاترة دخلوا نوال العناية المركزة، وطلبوا من الكل يستنوا بره. ياسين كان واقف قدام باب العناية، إيديه مقبوضة، وعصبيته بتزيد كل دقيقة. مريم قربت منه وقالت بصوت هادي، لكنه مليان وجع: «أنا عايزة أفهم كل حاجة يا ياسين. مش عايزة حد يقرر بدالي إيه اللي أعرفه وإيه اللي يتخبّى عني.» ياسين بص لها وقال: «من حقك تعرفي كل حاجة، وأنا مش هخبي عنك حرف واحد.» محمود اتدخل بسرعة: «بس مش كل الحقيقة هتريحك يا بنتي.» مريم لفت له بعصبية. «بلاش تقول لي بنتي وكأنك كنت موجود في حياتي! إنت غريب عني، وفجأة بتقول إنك أبويا، وعايزني أصدق كل كلمة بتقولها؟» محمود نزل عينه، وما ردش. ياسين اتكلم بنبرة حاسمة: «يبقى نسمع الحقيقة من نوال نفسها لما تفوق. لحد ما ده يحصل، محدش هيضغط على مريم، ومحدش هيقرب منها أو من ملك.» في اللحظة دي، موبايل ياسين رن. بص للشاشة، ولما شاف اسم المتصل، ملامحه اتغيرت. رد بصوت منخفض: «أيوه يا فؤاد...» صوت عمه جه من الناحية التانية هادي بشكل مستفز. «نوال فاقت؟» ياسين سكت ثانيتين، وبعدين قال: «إنت عرفت منين إنها في المستشفى؟» فؤاد ضحك ضحكة قصيرة. «يا ابني، إنت لسه فاكر إن فيه حاجة بتحصل في العيلة دي من غير ما أعرف؟ اسمعني كويس... لو نوال اتكلمت، إنت مش هتخسر فلوسك وبس. إنت هتخسر اسم الجبالي كله.» ياسين شد على الموبايل. «أنا مش خايف على الاسم قد ما أنا عايز أعرف إنت عملت إيه.» فؤاد رد ببرود: «خلي بالك من البنت الصغيرة يا ياسين. ساعات الحقيقة بتكون أخطر من اللي مخبيها.» وقفل الخط. ياسين فضل باصص للموبايل، وبعدين رفع عينه ناحية مريم. «مريم، خدي ملك وروحي مع جدتك فاطمة عند حسن. محدش يفتح الباب لأي حد غيري.» مريم رفضت فورًا. «لأ. أنا مش همشي من هنا. دي جدتي، وأنا لازم أبقى جنبها.» ياسين قرب منها وقال بهدوء: «أنا مش بطلب منك تبعدي عنها، أنا بطلب منك تحمي بنتك. فؤاد عارف إننا هنا، ومش عارف ممكن يعمل إيه.» مريم بصت لملك، اللي كانت ماسكة في فستانها وخايفة. وفي الآخر وافقت إنها تروح مع فاطمة، بشرط إن ياسين يفضل معاهم على اتصال. بعد ساعة تقريبًا، خرج الدكتور من العناية. كلهم جريوا ناحيته. «طمنّا يا دكتور، نوال عاملة إيه؟» سألت فاطمة وهي بتترعش. الدكتور قال إن حالتها مستقرة مؤقتًا، وإنها بدأت تستجيب للعلاج، لكن لازم ترتاح، وأي انفعال ممكن يضرها. وبعد شوية، سمح لمريم وفاطمة يدخلوا يشوفوها لدقايق. نوال كانت نايمة، ولما شافت مريم، مدت إيدها ناحيتها. «تعالي يا بنتي... اقربي.» مريم قعدت جنب السرير، ومسكَت إيدها. نوال بصت لها طويلًا، وبعدها قالت: «المفتاح اللي لقيتيه... لسه معاكي؟» مريم افتكرت السلسلة اللي وقعت منها في الفيلا، وطلعتها من شنطتها بعد ما ياسين سلّمها لها قبل ما يدخلوا المستشفى. «أيوه، أهو. مفتاح إيه ده؟» نوال قفلت صوابعها على المفتاح، ودموعها نزلت. «ده مفتاح صندوق أمك. روز سابتهولي قبل ما تختفي من حياتي... وقالت لي ما أفتحوش غير لما تيجي إنتِ بنفسك.» مريم اتلخبطت. «أمي اختفت من حياتك؟ إزاي؟ هي ماتت من خمس سنين!» نوال هزت راسها بحزن. «أنا ما كنتش أعرف إنها ماتت. آخر مرة شوفتها فيها، كانت جاية لي وهي مرعوبة، وقالت إن فيه حد بيراقبها، وإنها اكتشفت الحقيقة اللي ممكن تدمّر فؤاد الجبالي.» مريم حست بقلبها بيدق بسرعة. «الحقيقة إيه؟» نوال بصت ناحية الباب، وكأنها خايفة حد يسمعها. «فؤاد ما كانش مجرد واحد ساعد أبو ياسين زمان... ده كان السبب في كل اللي حصل. هو اللي فرّقني عن بنتي، وهو اللي خلّى جلال يفتكر إن سكوتي هو الحل الوحيد. ولما روز كبرت وعرفت الحقيقة، حاول يسكتها هي كمان.» مريم شهقت. «يعني هو السبب في موت أمي؟» نوال ما ردتش فورًا. فضلت باصة لها، وبعدها قالت: «مش هقدر أقول لك إنه قتلها بإيده... لكن عندي دليل إنه كان آخر واحد قابلها قبل موتها.» في اللحظة دي، الباب اتفتح، وياسين دخل بسرعة، ووشه متوتر. «مريم، لازم نتحرك. حصلت مصيبة.» مريم قامت من مكانها. «إيه اللي حصل؟» ياسين بص لها، وصوته خرج مخنوق: «ملك اختفت.» مريم حست إن الأرض بتتهز تحت رجليها. «إيه؟! إنت بتقول إيه؟ بنتي راحت فين؟!» ياسين حاول يمسك إيديها، لكنها زعقت فيه وهي بتعيط: «إنت وعدتني إنك هتحميها! وعدتني!» «وهجيبها يا مريم، حتى لو قلبت مصر كلها عليها.» محمود دخل ورا ياسين، وفي إيده موبايل عليه رسالة وصلت من رقم مجهول. فتح الرسالة قدامهم. كانت صورة لملك قاعدة في مكان ضلمة، وحواليها ألعابها الصغيرة، وتحت الصورة جملة واحدة: «عايزين الحقيقة؟ هاتوا صندوق روز، وتعالوا لوحدكم... وإلا البنت مش هترجع.» مريم غطت بقها بإيديها، وانهارت في العياط. لكن نوال، رغم تعبها، رفعت راسها فجأة وقالت بصوت مليان خوف: «لأ... مش فؤاد.» الكل بص لها. نوال كملت وهي بتترعش: «اللي خطف ملك مش عايز الصندوق علشان الدليل... هو عايزه علشان الحاجة اللي جواه. حاجة لو خرجت للنور، هتثبت إن ملك ليها حق أكبر بكتير من كل اللي فاكرينه.» ياسين قبض إيده، وبص للصورة مرة تانية. «مين اللي خطفها يا نوال؟» نوال غمضت عينيها، ودموعها نزلت. «الراجل اللي كنت فاكرة إنه مات من تلاتين سنة... أبو ملك الحقيقي.» مريم وقفت مكانها، ووشها بقى أبيض من الصدمة. لأن ملك عمرها ما كان ليها أب معروف غير الاسم اللي مريم كانت بتقوله لها عشان تسكت أسئلتها... لكن نوال همست باسم واحد، اسم خلّى محمود السيوفي يرجع لورا وكأنه شاف الموت بعينه: «جلال الجبالي... أبو ياسين ما ماتش.» مريم فضلت باصة لنوال، مش قادرة تستوعب اللي سمعته. «إنتِ بتقولي إيه يا جدتي؟! جلال الجبالي مات من سنين! ياسين بنفسه حضر جنازته!» نوال هزت راسها وهي بتعيط. «اللي اندفن يا بنتي مش جلال... ده كان راجل تاني شبهه، واللي دبّر كل حاجة كان فؤاد. جلال اختفى بعد اللي حصل معايا، وفؤاد استغل اختفاؤه علشان يستولي على كل أملاك العيلة.» ياسين كان واقف مكانه، وشه مفيهوش نقطة دم. «إنتِ متأكدة من كلامك؟ ده أبويا! أنا شفت جثته بعيني!» نوال مسكت إيده وقالت: «أنا عارفة إن الكلام صعب عليك، بس أبوك كان عارف إن أخوه فؤاد بيخطط ياخد كل حاجة. ولما حاول يوقفه، فؤاد دبّر اختفاءه. أنا شفت أبوك آخر مرة من سنين، وكان عايش... بس كان خايف يظهر.» محمود السيوفي دخل في الكلام، وصوته كان مليان غضب: «أنا كنت شاكك في الموضوع ده، بس ما كانش معايا دليل. فؤاد هو اللي ورّاني شهادة الوفاة، وهو اللي أقنعني إن جلال مات. وبعدها حاول يخلّص مني أنا كمان لما عرفت سر نوال.» ياسين لف له بعنف. «وإنت كنت عارف إن أبويا ممكن يكون عايش وساكت كل السنين دي؟!» محمود رد عليه: «كنت شاكك، لكن ما كنتش متأكد! ولو كنت متأكد، كنت قلبت الدنيا عليه.» مريم ما كانتش سامعة نقاشهم. كل اللي كان شاغلها هو بنتها. قربت من ياسين، ودموعها على خدها. «أنا مش فارق معايا جلال ولا فؤاد ولا أملاك الجبالي. أنا عايزة بنتي ترجع لي. لو سمحت، رجّع لي ملك.» ياسين مسك إيديها، وبصلها بجدية. «هترجع يا مريم. وأنا مش هسيب حد يمس شعرة منها.» خرج من الأوضة واتصل بحسن. «عايزك تقفل كل الطرق اللي حوالين الفيلا القديمة في المعادي، وتراجع كاميرات الشوارع. الصورة اللي بعتوها لازم نعرف اتصورت فين. ومحدش يتحرك لوحده، فاهم؟» حسن رد بسرعة: «حاضر يا بيه، بس فيه حاجة لازم تعرفها. العربية اللي كانت واقفة قدام المستشفى اختفت، والحارس اللي كان بيراقب المكان مش بيرد على تليفونه.» ياسين سكت لحظة. «الحارس اسمه إيه؟» «عم رجب يا بيه.» ياسين قبض إيده. عم رجب كان أقدم حارس في أملاك الجبالي، وواحد من الناس اللي ياسين كان بيثق فيهم أكتر من أي حد. قال بصوت واطي: «هاتلي عنوان بيته، ومحدش يقرب منه قبل ما أوصل.» قفل المكالمة، ورجع لمريم. «لقيت خيط ممكن يوصلنا لملك.» مريم مسحت دموعها بسرعة. «خدني معاك.» «لأ، المكان ممكن يكون خطر.» «ياسين، دي بنتي! أنا مش هقعد هنا أستنى أخبارها. أنا اللي ربيتها لوحدي، وأنا اللي كنت بصحى طول الليل جنبها لما كانت بتعيط. مش هسمح إن حد ياخدها مني، حتى لو حياتي هي التمن.» ياسين بص في عينيها، وشاف قد إيه هي مصممة، فهز راسه أخيرًا. «تمام، هتيجي معايا، بس هتسمعي كلامي في كل خطوة.» مريم وافقت، وخرجوا من المستشفى. وفي نفس الوقت، في مكان مهجور على أطراف القاهرة، كانت ملك قاعدة على كرسي صغير، حاضنة دبدوبها، وبتعيط بهدوء. قدامها كان فيه راجل كبير في السن، شعره أبيض ووشه مليان تجاعيد، لكنه كان واقف باستقامة غريبة، وعينيه شبه عيون ياسين بشكل يخوّف. الراجل قرب منها، وحط قدامها كوباية عصير. «اشربي يا ملك، إنتِ أكيد عطشانة.» ملك هزت راسها برفض. «أنا عايزة ماما.» الراجل قعد قصادها، وقال بصوت هادي: «مامتك جاية، بس الأول لازم أفهم منك حاجة.» ملك بصت له بخوف. «إنت مين؟» الراجل ابتسم ابتسامة حزينة. «أنا جدك.» ملك قطبت حواجبها. «جدو محمود؟» الراجل ضحك ضحكة قصيرة. «لأ يا حبيبتي. أنا جلال الجبالي... أبو ياسين.» ملك سكتت شوية، وبعدها سألت ببراءة: «طب إنت خطفتني ليه؟ هو جدو بيخطف حفيده؟» ابتسامة جلال اختفت. فضل باصص لها، وبعد لحظات قال: «أنا ما خطفتكيش علشان أأذيكي. أنا جبتك هنا علشان أحميكي من الناس اللي عايزين ياخدوا حقك.» ملك مسحت دموعها بطرف كمها. «أنا مش عايزة فلوس ولا حق. أنا عايزة ماما.» الكلام البسيط ده خلّى جلال يبعد وشه عنها، كأنه مش قادر يبصلها. طلع من جيبه صورة قديمة، كانت صورة لست شابة شايلة طفلة صغيرة. بص للصورة، وهمس: «أمك كانت شبهك بالظبط.» ملك رفعت راسها بسرعة. «إنت تعرف ماما؟» جلال ما ردش. في اللحظة دي، دخل راجل ملثم وقال له: «كل حاجة جاهزة يا جلال بيه. بس فيه مشكلة... فؤاد عرف إن البنت عندنا.» جلال قام من مكانه فجأة. «إزاي عرف؟!» الراجل رد بتوتر: «مش عارفين، بس رجاله اتحركوا ناحية المكان.» جلال بص لملك، وبعدها للصورة في إيده. «يبقى الوقت خلص.» نزل لمستوى عينيها وقال: «اسمعيني كويس يا ملك. مهما حصل، ما تثقيش في فؤاد. ولو شوفتي ياسين، قولي له إن أبوه ما باعوش... أبوه كان بيحاول ينقذه.» وبعدين طلع من جيبه مفتاح صغير، وحطه في إيدها. «المفتاح ده هيوصلك لحقيقة أمك، بس ما تديهوش لأي حد غير مريم.» ملك قبضت على المفتاح، وهي مش فاهمة حاجة. وفجأة، سمعوا صوت ضرب نار بره المكان. الراجل الملثم جري ناحية الباب، وبعد ثواني رجع وهو بيصرخ: «جلال بيه! إحنا محاصرين!» جلال شال ملك بسرعة، ودخل بيها أوضة جانبية، وفتح باب صغير ورا دولاب قديم. «هتفضلي هنا لحد ما أرجعلك.» ملك مسكت في هدومه. «لأ! متسبنيش! أنا خايفة!» جلال ضمها لحضنه للحظة، وغمض عينيه. «أنا آسف يا بنتي... آسف على كل حاجة.» حطها في الأوضة وقفل الباب، وبعدها خرج ووقف قدام الرجال اللي اقتحموا المكان. كان فؤاد الجبالي واقف في مقدمتهم، ماسك مس\دس، وبيبتسم. «أخيرًا يا أخويا... بعد السنين دي كلها، رجعت لي برجليك.» جلال رفع راسه وقال ببرود: «أنا رجعت علشان بنت روز، مش علشانك.» فؤاد ضحك. «البنت دي مش هتطلع من هنا، والصندوق مش هيوصل لمريم. إنت ضيعت عمرك كله وأنت فاكر إنك هتصلح اللي عملته زمان.» جلال رد: «أنا غلطت لما سبتك تتحكم في العيلة، لكن مش هسمح لك تكرر نفس الجري\مة مع حفيدتي.» فؤاد رفع المس\دس. «يبقى هننهي الحكاية هنا.» وفي اللحظة اللي صباعه ضغط فيها على الزناد، دوّى صوت طلقة هزّ المكان كله. على الطريق، ياسين كان سايق بأقصى سرعة، ومريم جنبه بتدعي ربنا يرجّع لها بنتها. فجأة، تليفون ياسين رن. كان حسن. «يا بيه، وصلنا للمكان... بس فيه مصيبة!» ياسين صرخ: «ملك فين؟!» حسن رد بصوت مخنوق: «لقينا آثار دم، وجلال الجبالي واقع على الأرض... بس مفيش أي أثر لملك!» مريم صرخت، وحطت إيديها على وشها. لكن ياسين سمع صوت تاني في الخلفية، صوت طفل بيعيط. قرّب الموبايل من ودنه، وقلبه وقف لحظة. الصوت كان صوت ملك. وبعدها سمع صوت راجل بيقول: «البنت معايا يا ياسين... ولو عايزها ترجع لأمها، تعالى لوحدك.» ياسين وقف العربية فجأة، وبص لمريم. «مريم... اللي خطف ملك مش فؤاد.» «أمال مين؟!» ياسين بص للموبايل، ووشه اتحول لغضب مرعب. «محمود السيوفي.» ومع آخر كلمة، وصلت رسالة جديدة على موبايل مريم. فتحتها بإيد بتترعش، ولقت صورة لملك وهي نايمة على سرير، وبجنبها ورقة مكتوب عليها: «الحقيقة عن أبو ملك مش زي ما إنتوا فاكرين... والبنت دي مش بنت الشخص اللي رباها.» مريم رفعت عينيها لياسين، والصدمة شلت لسانها. لأن تحت الرسالة كان فيه اسم واحد: فؤاد الجبالي. #حكايات_شروق_خالدمريم كانت حاسة إن قلبها هيتوقف من الرعب، بصت للصورة مرة واتنين، وبعدها رفعت عينيها لياسين وهي بتعيط. «أنا مش فاهمة حاجة! هو محمود خطف بنتي؟ ولا فؤاد؟ وإيه معنى إن ملك مش بنت الشخص اللي رباها؟ هي بنتي أنا يا ياسين! أنا اللي حملت بيها وولدتها، أنا اللي سهرت عليها وربيتها! إزاي حد ييجي يشككني في بنتي؟!» ياسين مسك كتافها وبصلها في عينيها. «بصيلي يا مريم، اسمعيني كويس. محدش يقدر ياخد منك إنك أمها، مهما كانت الحقيقة اللي بيحاولوا يخبّوها. وأنا هعرف مين ورا اللعبة دي كلها.» مريم زقّت إيده برفق، وهي بتقول بوجع: «أنا مش عايزة وعود تاني يا ياسين. كل واحد في العيلة دي بيوعدني، وفي الآخر بلاقي مصيبة أكبر من اللي قبلها. أنا عايزة ملك!» ياسين ما ردش، ضغط على دواسة البنزين، واتجه ناحية المكان اللي حسن بعتله عنوانه. لكن قبل ما يوصلوا، تليفونه رن تاني. المرة دي كان رقم محمود السيوفي. ياسين رد على طول وحط المكالمة على السماعة الخارجية. «إنت فين يا محمود؟ وملك معاك ولا لأ؟» صوت محمود جه متوتر: «اسمعني للآخر يا ياسين. أنا ما خطفتش ملك، وأنا مش هأذي حفيدتي مهما حصل.» مريم صرخت: «حفيدتك؟! إنت حتى مش عارف بنتك من حفيدتك! إنت عمرك ما كنت موجود في حياتي، ودلوقتي عايزني أصدقك؟!» محمود سكت لحظة، وبعدها قال بصوت مكسور: «عندك حق تكرهيني يا مريم، وأنا مش طالب منك تسامحيني. بس فيه حاجة لازم تعرفيها... أنا ما عرفتش إنك بنتي غير من خمس سنين، لما روز بعتت لي جواب قبل ما تموت.» مريم اتجمدت. «إيه؟! أمي بعتت لك جواب؟ فين الجواب ده؟» «كان معايا، لكن اختفى من مكتبي من يومين. وفي نفس اليوم اللي اختفى فيه، وصلتني رسالة بتقول إن ملك في خطر، وإن لازم أروح للمكان القديم في المعادي.» ياسين شد على الدركسيون. «مين بعتلك الرسالة؟» «رقم مجهول، بس الرسالة كان معاها صورة من جواب روز. ومحدش غير فؤاد كان يعرف إن الجواب موجود عندي.» ياسين قفل عينيه لحظة، وبعدها قال: «يبقى فؤاد بيحرّكنا كلنا زي العرايس، وكل واحد فينا فاكر إنه عارف الحقيقة.» محمود رد بسرعة: «فيه حاجة تانية يا ياسين... جلال مش الشخص اللي لازم تخاف منه.» «أمال مين؟» محمود سكت، وبعدها قال الجملة اللي قلبت كل حاجة: «اللي كان بيحرك فؤاد من البداية شخص موجود في حياتك من وإنت طفل، شخص إنت بتثق فيه أكتر من نفسك.» المكالمة قطعت فجأة. ياسين فضل باصص للموبايل، ومريم كانت بتبص له بخوف. «مين الشخص ده يا ياسين؟» ياسين ما جاوبش. لأنه في اللحظة دي افتكر وش واحد بس. حسن. الراجل اللي كان دايمًا جنبه، واللي أنقذه أكتر من مرة، واللي يعرف كل أسرار العيلة. وصلوا للمكان، ونزل ياسين من العربية بسرعة، لكن قبل ما يدخل، لمح عربية حسن مركونة جنب الباب. مريم مسكت إيده. «ياسين، لو حسن هو اللي ورا كل ده، يبقى ملك في خطر حقيقي.» ياسين بص لها، وفي عينيه غضب وخوف لأول مرة يبانوا بالشكل ده. «هندخل بهدوء. أول ما نلاقي ملك، هتاخديها وتخرجي. مهما حصل، ما ترجعيش وراكي.» دخلوا المبنى، وكان المكان ضلمة إلا من نور خافت جاي من آخر الطرقة. وفجأة، سمعوا صوت ملك. «ماماااا!» مريم جريت ناحية الصوت من غير ما تفكر، وياسين جري وراها. فتحوا الباب، ولقوا ملك قاعدة على كرسي، إيديها مربوطين برباط خفيف، ودموعها مغرقة وشها. مريم جريت عليها وفكت إيديها، وضمتها لحضنها وهي بتعيط. «يا قلب ماما! يا حبيبتي! عملوا فيكي إيه؟ حد وجعك؟» ملك هزت راسها وهي بتتشبث في رقبتها. «لأ يا ماما، بس أنا كنت خايفة. الراجل اللي جابني هنا قال لي إنك مش هتيجي تاخديني.» مريم باست راسها ووشها وإيديها، وهي بتقول: «أنا عمري ما هسيبك يا روح ماما، سامعة؟ عمري ما هسيبك.» ياسين كان واقف عند الباب، عينه بتفتش المكان، لحد ما لمح ظرف على الترابيزة. قرب منه وفتحه. جواه كان فيه جواب مكتوب بخط روز، وصورة لياسين وهو طفل صغير، واقف جنب راجل ملامحه شبه جلال. لكن اللي لفت نظره مش الصورة. كان فيه سطر مكتوب في آخر الجواب: «يا ياسين، لو وصلت لك الرسالة دي، اعرف إن الشخص اللي رباك طول عمرك مش أبوك الحقيقي.» ياسين حس إن الدنيا وقفت. رجع قرا السطر تاني، كأنه مش مصدق عينيه. مريم لاحظت تغير وشه. «في إيه؟ إيه اللي في الجواب؟» ياسين رفع عينيه لها، لكنه ما قدرش يتكلم. وفجأة، صوت تصفيق جه من وراهم. ظهر حسن عند مدخل الأوضة، وعلى وشه ابتسامة غريبة. «كنت عارف إنك هتوصل يا بيه.» ياسين لف ناحيته ببطء، وإيده راحت ناحية س\لاحه. «إنت اللي عملت كل ده؟» حسن هز راسه. «أنا اللي نفذت، لكن مش أنا اللي خططت.» «مين؟» حسن بص ناحية مريم وملك، وبعدها رجع بص لياسين. «الراجل اللي طول عمرك بتناديه أبويا... جلال الجبالي.» ياسين رفع س\لاحه، وصوته بقى مليان غضب. «جلال فين؟» حسن ابتسم. «في المكان اللي المفروض تكون فيه من زمان يا بيه... تحت بيت الجبالي القديم.» وقبل ما ياسين يتحرك، سمعوا صوت طلقة من بره، وبعدها صوت راجل بيصرخ: «محدش يتحرك!» دخل محمود السيوفي ومعاه رجالة مسلحين، لكن المفاجأة إنه ما كانش مصوّب س\لاحه ناحية ياسين. كان مصوّبه ناحية حسن. «ابعد عن بنتي وحفيدتي يا حسن، وإلا مش هتخرج من هنا حي!» حسن ضحك، ورفع إيده ببطء. «اتأخرت يا محمود بيه. الصندوق اتفتح، والورق اتسلّم لصاحبه، والحقيقة خلاص هتطلع للنور.» ياسين بص للجواب اللي في إيده، وبعدها سأل: «صاحب مين؟» حسن قرب خطوة، وقال بهدوء: «صاحب العيلة الحقيقي.» وفي اللحظة دي، موبايل ياسين رن. رقم مجهول. رد، وسمع صوت راجل عجوز، صوته مبحوح لكنه واضح. «ياسين... يا ابني.» ياسين اتجمد. الصوت ده سمعه في تسجيلات قديمة كتير، وشاف صور صاحبه طول عمره. كان صوت جلال الجبالي. «أبويا؟» الراجل رد: «أنا مستنيك تحت البيت القديم. تعالى لوحدك... علشان تعرف مين أبوك الحقيقي، ومين اللي سرق منك عمرك كله.» وبعدها قفل الخط. ياسين بص لمريم، وبص لملك اللي كانت لسه في حضن أمها، وبعدها قال بصوت واطي: «الحكاية لسه في أولها.» لكن قبل ما يخرج، ملك رفعت راسها من حضن مريم، وطلعت المفتاح الصغير اللي جلال كان اداهولها من جيب فستانها. «ماما... الراجل الكبير قال لي أدي المفتاح ده لياسين، وقال لي أقوله إن اللي في الصندوق مش فلوس.» ياسين أخد المفتاح، وقلبه بيدق بعنف. ملك كملت ببراءة: «قال لي إن اللي في الصندوق هو الدليل اللي يثبت إن ماما كان المفروض تموت من زمان... وإن حد تاني مات مكانها.» مريم بصت لبنتها بصدمة. وياسين حس إن الدم اتجمد في عروقه. لأن معنى الكلام ده إن روز، أم مريم، ممكن تكون لسه عايشة. وإن الست اللي دفنوها من خمس سنين... يمكن ما تكونش روز أصلًا! ياسين فضل واقف مكانه، والمفتاح الصغير في إيده، وعقله مش قادر يستوعب آخر جملة قالتها ملك. بص لمريم وقال بصوت مبحوح: «مريم، أنا عارف إنك تعبتي، وعارف إنك مش قادرة تستحملي صدمة جديدة، بس لازم نعرف الحقيقة للآخر. لو أمك عايشة، هنرجعها لك، ولو حد أذاها، هخليه يدفع تمن كل لحظة وجع عيشتيها.» مريم ضمت ملك لصدرها وقالت بدموع: «أنا مش عايزة فلوس ولا أملاك ولا عايزة أنتقم من حد. أنا عايزة أعرف أمي راحت فين، وليه كل الناس دي لعبت بحياتي وبحياة بنتي!» ياسين بص لحسن، اللي كان واقف تحت حراسة رجالة محمود. «خدوه، ومحدش يلمسه لحد ما أعرف كل حاجة.» حسن ابتسم بسخرية وقال: «حتى لو عرفت كل حاجة، مش هتقدر تصلح اللي حصل. الحقيقة أكبر منك يا ياسين.» ياسين رد ببرود: «هنشوف.» وبعدها خرج مع مريم ومحمود، واتجهوا للبيت القديم في المعادي. البيت كان مهجور، شبابيكه مكسورة، والجنينة اللي كانت مليانة ورد زمان بقت مليانة حشائش. ياسين فتح الباب بالمفتاح الصغير، ودخلوا وراه. في آخر الطرقة، لقوا باب حديد قديم، وراه سلم نازل للقبو. مريم كانت ماسكة إيد ملك، وكل خطوة كانت بتقربها من حقيقة ممكن تغيّر حياتها كلها. لما نزلوا، لقوا صندوق حديد كبير فوق ترابيزة، وعليه نفس العلامة اللي كانت مرسومة على السلسلة اللي لابساها ملك. ياسين دخل المفتاح ولفه. الصندوق اتفتح. جواه كان فيه شرايط تسجيل قديمة، وأوراق رسمية، وصور، وجواب متقفل باسم مريم. مريم فتحت الجواب بإيد بتترعش. كان مكتوب فيه: «بنتي مريم، لو الجواب ده وصل لك، يبقى أنا فشلت أرجع لك بنفسي، أو إن الحقيقة أخيرًا لقت طريقها ليكي. أنا عايشة يا مريم. الست اللي اتقال لك إنها أمك واتدفنت من خمس سنين كانت ست تانية، ماتت وهي بتحاول تنقذني. أنا كنت مخطوفة، ومجبرة أعيش باسم مختلف، وكل ما حاولت أهرب كانوا بيهددوني بيكي. ما كانش عندي حل غير إني أختفي لحد ما أقدر أحميكي. سامحيني إني سيبتك تكبري من غيري. أنا كنت بشوفك من بعيد، وكنت كل يوم بدعي ربنا ييجي اليوم اللي أقدر أضمك فيه من غير خوف. لو وصلتي للصندوق، يبقى عندك فرصة تعرفي مين اللي دمّر حياتنا. خلي بالك من فؤاد، لكن ما تصدقيش إن كل حاجة كانت بإيده لوحده. والأهم من ده كله، ما تخليش الانتقام ياكل قلبك. أنا بحبك يا بنتي، ومستنياكي.» مريم خلصت قراءة الجواب، وانهارت في العياط. «أمي عايشة يا ياسين! أمي عايشة!» ياسين ضمها لحضنه، وفضل ساكت، سايبها تطلع كل الوجع اللي جواها. لكن محمود كان بيفتش في الأوراق، لحد ما طلع شهادة ميلاد قديمة، وصورة لطفلة صغيرة في حضن روز، وورقة عليها توقيع جلال الجبالي. بص لياسين وقال: «الورق ده يثبت إن جلال كان عارف مكان روز طول السنين اللي فاتت، وإن فؤاد كان بينفذ أوامره.» ياسين هز راسه بحزن. «يبقى أبويا كان عايش، وكان سايبنا نعيش في الكدب ده كله.» فجأة، سمعوا صوت باب القبو بيتفتح. كلهم لفوا ناحية السلم. كان جلال الجبالي واقف فوق، مستند على عصاية، ووشه شاحب، لكن عينيه لسه فيهم نفس القسوة القديمة. قال بصوت هادي: «كنت عارف إنكم هتوصلوا للصندوق في يوم من الأيام.» ياسين طلع السلم بسرعة ووقف قصاده. «إنت كنت فين كل السنين دي؟ وليه سيبتني أعيش فاكر إنك ميت؟ وليه خليت أمي تموت وهي خايفة على بنتها؟» جلال نزل عينه. «كنت جبان يا ياسين. خفت على نفسي وعلى أملاكي، وسمحت لفؤاد يتحكم في كل حاجة. ولما اكتشفت إنه خطف نوال وهدد روز، حاولت أصلح اللي حصل، لكن الوقت كان فات.» ياسين صرخ فيه: «إنت مش بس ضيعت بنتك وحفيدتك! إنت ضيعت عمري أنا كمان! أنا بنيت حياتي على اسمك، وكنت فاكر إنك راجل عظيم، لكن إنت كنت بتستخبى من غلطك!» جلال ما دافعش عن نفسه. قال بس: «معاك حق.» مريم طلعت من القبو، ووقفت قدام جلال. «فين أمي؟» جلال رفع عينيه لها. «في مكان آمن، بعيد عن فؤاد. كنت بحاول أجيبها من غير ما أعرّضك للخطر.» مريم ردت بوجع: «كنت بتحميني من إيه؟ من أمي؟! كنت محتاج تحميني من الكدب اللي عشتوني فيه!» جلال أخرج ورقة من جيبه، وقال: «معاكي حق. وأنا مش طالب منك تسامحيني. بس أقدر أساعدك توصليلها.» وبعدها سلّم ياسين عنوان مكان في الإسكندرية، وقال إن روز موجودة هناك تحت اسم مختلف، ومعاها ست كانت بتحميها. في نفس الليلة، سافروا للإسكندرية. مريم طول الطريق كانت ماسكة إيد ملك، وكل شوية تبص لبنتها وتبوس راسها، كأنها بتتأكد إنها لسه معاها. لما وصلوا لبيت صغير قريب من البحر، مريم نزلت من العربية وجريت ناحية الباب. خبطت مرة واتنين. الباب اتفتح ببطء. ظهرت ست في أواخر الخمسينات، شعرها فيه خصلات بيضا، ووشها شاحب، لكن عينيها كانت نفس عيون مريم بالظبط. مريم وقفت مكانها، والدموع نزلت من غير ما تحس. الست همست: «مريم؟» مريم شهقت. «ماما؟» روز حطت إيدها على بقها، وانهارت في العياط. «يا بنتي... يا حبيبتي...» مريم جريت عليها وارتمت في حضنها، وفضلت تعيط وهي بتقول: «ليه يا ماما؟ ليه سيبتيني؟ أنا كنت محتاجاكي! كنت كل يوم بسأل نفسي أنا عملت إيه علشان تسيبيني!» روز كانت بتبوس راسها ووشها وإيديها. «سامحيني يا بنتي. والله ما كان يوم بيعدّي عليّا من غير ما أشوف صورتك وأعيط. أنا كنت خايفة لو رجعت لك يأذوكي زي ما أذوني.» ملك قربت منهم بخطوات صغيرة، وبصت للست. «إنتِ تيتة روز؟» روز نزلت على ركبتها، ومدت إيديها لها. «أيوه يا قلب تيتة.» ملك جريت عليها، وروز ضمتها لحضنها، وبكت أكتر من الأول. «دي بنت بنتي... يا رب لك الحمد إنك خلتني أشوفها.» مريم وقفت تتفرج عليهم، وحست لأول مرة من سنين إن جزءًا كبيرًا من قلبها رجع مكانه. ياسين كان واقف بعيد، وعينيه مليانة دموع. ولما روز بصت له، قالت: «إنت ياسين الجبالي؟» هز راسه. «أيوه.» روز قربت منه وقالت: «أنا عارفة إنك اتظلمت في حاجات كتير، بس أوعى تكرر غلط أبوك. القوة مش إن الناس تخاف منك، القوة إنك تقدر تعترف بغلطك وتصلحه.» ياسين نزل راسه باحترام. «هحاول أصلح كل حاجة.» الأيام اللي بعدها كانت مليانة مواجهات وتحقيقات. الأوراق والتسجيلات اللي في الصندوق كشفت جرائم فؤاد، من تزوير مستندات والاستيلاء على أملاك العيلة، لحد التورط في اختفاء نوال واحتجاز روز وتهديد كل شخص حاول يكشف الحقيقة. حسن اعترف بكل اللي عمله، واعترف إن فؤاد كان بيستخدمه علشان يراقب مريم وملك، وإنه كان ناوي يخطف ملك علشان يضغط على مريم ويجبرها تسلّم الصندوق. أما فؤاد، فلما عرف إن التسجيلات وصلت للشرطة، حاول يهرب، لكن اتقبض عليه قبل ما يخرج من مصر. جلال سلّم نفسه واعترف بدوره في التستر على الجرائم، وقرر يتنازل عن الجزء اللي استولى عليه من أملاك العيلة، علشان الحقوق ترجع لأصحابها. نوال رجعت تعيش جنب فاطمة، وبعد تلاتين سنة من الفراق، أخيرًا قدرت تضم بنتها روز، وحفيدتها مريم، وحفيدة حفيدتها ملك. محمود السيوفي حاول يصلح علاقته بمريم، لكنه ما ضغطش عليها تسامحه. كان بيزورها، ويطمن عليها، ويساعدها من غير ما يفرض نفسه عليها. ومريم، رغم إنها كانت موجوعة من غيابه، بدأت تسمح له يقرب منها بالتدريج، مش علشان تنسى السنين اللي ضاعت، لكن علشان تدي نفسها فرصة تبدأ من جديد. عدّت ست شهور. مريم بقت بتشتغل في مشروع صغير لبيع الحلويات الشرقية، وملك كانت بتروح المدرسة وترجع تحكي لمامتها عن يومها. وفي يوم، ياسين جه يزورها في المحل، ومعاه بوكيه ورد بسيط. مريم بصت للورد، وبعدها له. «إيه المناسبة؟» ياسين ابتسم. «مفيش مناسبة. أنا بس حبيت أقول لك إن وجودك في حياتي غيّر حاجات كتير.» مريم ضحكت بخفة. «إنت بتعرف تتكلم حلو أهو، أمال كنت مخبي الكلام ده فين؟» ياسين قرب منها وقال: «كنت فاكر إن القوة إني ما أظهرش ضعفي قدام حد. لحد ما عرفتك، وفهمت إن أصعب حاجة مش إنك تحارب الدنيا كلها... أصعب حاجة إنك تعترف إنك محتاج حد جنبك.» مريم سكتت، وعينيها لمعت. ياسين كمل: «أنا مش هطلب منك تنسي اللي حصل، ولا هقول لك إني هخلي حياتك وردية. أنا بس بطلب فرصة أكون راجل تستندي عليه، وأب حقيقي لملك، لو إنتِ وافقتي.» مريم بصت ناحية ملك، اللي كانت واقفة عند الباب وبتبتسم بخبث طفولي. «ماما، وافقي بقى! أنا عايزة حد يلعب معايا ويجيب لي آيس كريم!» مريم ضحكت، وياسين ضحك معاها لأول مرة من قلبه. وبعد فترة، اتجوزوا في حفل بسيط وسط العيلة، بعيد عن المظاهر والناس اللي كانت بتخاف من اسم الجبالي. روز كانت واقفة جنب بنتها، وفاطمة ماسكة إيد نوال، ومحمود واقف بعيد شوية، لكنه كان سعيد إنه أخيرًا شاف بنته بتضحك. أما ملك، فكانت لابسة فستان وردي طويل، وجريت ناحية ياسين أول ما شافته. «بابا ياسين!» ياسين شالها ولف بيها في الهوا. «عيون بابا.» مريم بصت لهم، وحست إن كل اللي فات، بكل وجعه وخوفه وأسراره، وصل بيها للحظة عمرها ما تخيلت إنها هتعيشها. بعد الحفل، ياسين وقف جنبها على البلكونة، والبحر قدامهم هادي. قال لها: «عارفة إيه أكتر حاجة اتعلمتها منك؟» «إيه؟» «إن العيلة مش اسم ولا فلوس ولا قصر كبير. العيلة هي الناس اللي تفضل جنبك لما كل حاجة تقع.» مريم سندت راسها على كتفه. «وأنا اتعلمت إن الحقيقة مهما اتأخرت، لازم تظهر. وإن الكدب ممكن يفرق الناس سنين، لكن الحب الصادق يقدر يجمعهم من جديد.» ياسين باس راسها، ومن جوه البيت كان صوت ملك بيضحك مع روز ونوال وفاطمة. ولأول مرة، البيت اللي عاش سنين مليان خوف وأسرار، بقى مليان ضحك ودفا. النهاية. #حكايات_شروق_خالد بنت الفقيرة طلعت وريثة عيلة الجبالي.. حكايات شروق خالد